ريم غنايم: أنا لقيطة شعريًا..

reem-qريم غنايم شاعرة ومترجمة فلسطينية، أصدرت حتى الان مجموعتين شعريتين “ماغ: سيرة المنافي” و”نبوءات” الى جانب ترجمة رواية “مكتب البريد” لبوكوفسكي و”أشعار” لجيمس جويس ومختارات من الشعر الأفرو–أميركي. تسعى الى تكوين لغتها الشعرية الخاصة من خلال التجريب. وكان لـ”المدن” معها هذا الحوار..

– تطالبين في ديوانك بإعادة صياغة العالم، فعلى أيّ صورة تريدينه؟

* أنطلقُ هنا من وعيي بكَوني جزءًا من واقع فاسد ومجنون وارتجاليّ وجديد في شكل ممارسته للعنف، سعيدة لكَوني جزيئًا صغيرًا داخل هذا البنيان الكَوني المتهافت. لا أرى نفسي خارج اللعبة، فأنا أيضا بي عنفُ هذا العالَم، ومخزونٌ لا بأس به يكفي لسنوات مقبلة.
السّؤال: هل أقمع هذا العنف؟ أم أعيد صياغته في كلّ مرّة أقف أمام مأزق تبعيّتي الفطريّة له؟
العالَم مهزوم في ثقافته وهويّاته الملتبسة عليه، ولا سبيل له إلاّ الردّ بعنفٍ على مأزقه المعهود هذا. إنّه يمارسُ حقّه في الرّد على هزيمته والتّشكيك في كلّ ما طرحه من تجريب فكريّ وواقعيّ في العقود الأخيرة. لقد عشنا كبَشر منذ البداية على ضرورة وجود خلل ما يدور حوله كياننا البشريّ، بدونه لا وجود حقيقيّ لنا كَمقهورين.
الوقوف شعرًا ضدّ هذا العنف وذاك الخلل هو خطأ كبير يُفسد الشّعر فنيًا من جهة ولا يغيّر شيئًا في هذا العنف من جهة أخرى. نحن في النهاية لسنا أنبياء لنصلح الخلل، وإنّما شركاء في إحداثه، ووظيفتنا إعادة صياغته طيلة الوقت. أنا لا أنزاح كثيرًا عن الواقع، وأدواتي الشّعريّة غائرة في العنف ردًا على فساد لا يمكن إصلاحه. الإصلاح سيُخرجك من دائرة الواقع تمامًا، فلا تعدّ محسوبًا عليه لا أنت ولا أقاويلك. هذا في حدّ ذاته مأزق بالنّسبة إلى الشّاعر ورؤاه. ما دام صار من الصّعب وقف عنف العالم وجنونه وفساده، لا حلّ إلاّ الانغماس في عنفه والتماهي معه وإعادة صياغته من زوايا أخرى.
لقد فقدَ العالَم توازنه كعادته كلّما استشرفَ حداثة جديدة وأملا جديدًا، ولا حلّ سوى استعارة أدواته لإعادة صياغته. مثل كلّ البناة، أبني العالَم شعريًا وأحتوي ألمه وعنفه حتّى يقبلني داخل معماريّته الجديدة. تلك في حدّ ذاتها إعادة صياغة دون حصر للمعنى.

– ألا تعتقدين أن في بعض قصائدك دفقًا للصور الشعرية وغزارة في نحتها بما يجعلها تؤثر في وصول معنى ما تقصدين؟

* لستُ كاهنةً في معبد…
أنا ميكانيكيّة ومشغلي الشعريّ عماده النّحت والتفكيك والرّبط والتّركيب. أدواتي الشعريّة مفكّ وبراغٍ وإزميل ومسامير تأخذ إيقاعَ الطّبيعة، تترتّب ذهنيًا وتتناوب وفق اللحظات الشعريّة والمزاج الشّعريّ وبنية القصيدة التي يفرضها هذا المزاج. أتعمّد دائمًا الخلط بين المتنافرات، وإشاعة بعض النّشاز في قلب المتناغم حيث النشاز يكمّل التناغم.
عمليّة البناء الشّعري عندي متعبة ومزاجيّة وتستهلكُ وقتًا. ربّما لهذا تلاحظُ دفقًا وغزارةً في الصور الشّعريّة؟ أنا لا أبحثُ عن المعنى.. فالمغامرة كامنة في تأويل المعنى أو حتّى في نفيه.

– “أَرَى وَجهي في نَهرٍ يَتَمَاوَج” عنوان لقصيدة طويلة في بداية ديوانك.. في رأيك، ألم تكن هذه العبارة، صالحة عنوانا للديوان، خصوصا انها تتضمن كمًّا من الصور المتماوجة؟

* اختياري للنبوءات عنوانًا جاء من منطلق أكثر شموليّةً وعمقًا من عنوان هذه القصيدة. نعم ثمّة صور متماوجة في قصائد هذا القسم، بعضها هامس ومستكين وبعضها مشروخ مستفرغ من محتواه. لكنّ غايتي من القصائد أن أعيد إنتاج مفهوم النبوءة في شكلها البشريّ الجديد المتبدّل والمتكيّف مع العصر. النّبوءات رغباتٌ قاسية دفينة في باطن الإنسان بتغيير العالَم، أو تشويشه، أو خلخلته نحو الايجاب أو السّلب. وفكرة إعادة إنتاج مفهوم النبوءة شعريًا ما هي إلاّ ترجمة سورياليّة لهذه الخلخلة. أنا أفسدتُ مفهوم النبوءة بإعادة إنتاجها. كلّ قصيدة نبوءة فاسدة ومعطّلة. تجربة يتلاشى فيها المقدّس ويتكثّف فيها الرّاهن وتتحاور فيها المتنافرات تماهيًا مع لَون هذا العصر وطبيعته. رماديّ يترنّح بين الصّحوة والغفوة.

– تدعين الى الثورة على الله، لكنك تقولين “حصّتي من الثّورة على الله في هذا الليل الوثنيّ كوابيس.. هشيشةٌ خبيثةٌ”، وتريدين تخطي “أكاذيب الهداية وقَسوةَ النّبوءات”.. فأي عالم تكتبين عنه؟ أي مجتمع؟ هل الدين والمجتمع يقلقان فرديتك وحريتك وحبك للشعر؟

* عالمي هو هذا العالَم، لا أعيشُ بعيدًا منه. عالم أفرزني داخل خليط من الحريّة والسّعادة والخوف والهزيمة والثورة. هو عالَم يتحرر من سلطة ويهوي في سلطٍ أخرى، يتحرّر من تبعيّته لله ويهوي في تبعيّات أنكى. يتفاعل مع ذاته ويخطىء، لكنّه يعرف كيف يدفعُ الثمن. أقدّر مجيئي في عهدٍ تعرّفت فيه إلى هذا الشيطان الجديد المسمّى بالإنسان الفنان في رسم متاهاته. خالق الآلهة والثائر عليها. عن عالم هذا الشّيطان العصريّ تدور دوائري وعن الافتتان به وبسلطته وبقدرته على بناء ذاته وتدميرها وكرهه لذاته والانغماس فيها.
أيّ دين؟ أيّ مجتمع؟ أيّ حرية؟ أيّ فردانيّة؟ لا أريد أن أتحرر من الدّين، ولا من المجتمع، ولا أبحث عن مجتمعات أخرى أكثر حريّة أذوب فيها، تلكَ أوهامٌ أتركها للآخرين. أنا سعيدة لكَوني داخل هذا الحطام، أصفّق وأبكي في آن، فالله تجاوزته منذ زمن كما تجاوَزني هو بالضبط، بقيت لي الكتابة عن كوابيس المجهول، جحيمه ونعيمه.

– ما المغزى من اختيار القصائد بعناوين أجنبية وأحياناً بكلمات اجنبية مكتوبة بحروف عربية؟

* قد يرى البعضُ أن هذا يدخل في نطاق التّجريب، بإشكاليّاته وتمايزاته. لكنّ هذا التّجريب بالنسبة إليّ هو شكل من أشكال البقاء ويخضع لمعايير تراكمات الهوية المتخيّلة والكابوسيّة والانشطاريّة والازدواجيّة والمزيّف والمشوّه.
أنا على صلة حواريّة مع هذه الهويّات وأتماهى معها ولا أسعى إلى الانفصال عن واقعها، أحاول أن أثبت شرعية ما لوجودي متعدّد الوجوه، وهو وجود يأتي على هيئة محاولات تجريبيّة تتحاور فيها هذه الهويّات معًا. قصيدتي، على حدّ تعبير أدونيس، هي مستودع للمجاز وحركة نفي للموجود الراهن بحثًا عن موجود آخر. لهذا أجدُ أنّ موادّي المعرفيّة متنوّعة، ولست أجد مكانًا أدلقه فيها سوى القصيدة، وحدها تستقبلُ شقاواتي المعرفيّة برحابة صدر وتعينني على رسم معالم النفي.

– ما الذي أضفته في ديوانك الثاني، على الأول، وهل بات لك قاموس مفردات خاصة بك؟

* لا أعلم، لكني أعلم إنّي ولجت عالمَ مفارقات قايضت روحي بما هو أقل منها وما هو أسمى. لا أروم تجريبًا معدوم الشكل والملامح مخصيًا هلاميًا، أبحث عن تجريب أصحاب المهن الحرّة، لهم فضاؤهم ومساطرهم وآلاتهم يبتكرون عل مهلٍ وبلا جلاّد يسوطهم على الأخطاء. النبوءات أعادت صياغة “سيرة المنافي” في مرحلة النّضوج متجاوزةً مرحلة الطفولة، الفرق أنّ عدّتي الشّعريّة كثرت، ورؤيتي اتّسعت، ومنفاي صار أكثر دفئًا.

– كان الشاعر اللبناني بسام حجار يقول أنه يترجم نصوصاً شعرية وروائية يتمنى أن يكون هو كاتبها، هل يراودك هذا الشعور بعد ترجمة أشعار جيمس جويس والشعر الافرو-أميركي ورواية “مكتب البريد” لبوكوفسكي؟

* لا… بإطلاق. في اللحظة التي يختار فيها المترجم عملاً أدبيًا يترجمه، يكون بذلك قد اتّخذ قرار إعادة التأليف. التّرجمة فعلُ كتابة صعب، هو هندسة محسوبة بالمسطرة، شعرًا ونثرًا على حدّ سواء. والمترجم أهمّ من الكاتب لسببين: الأوّل لأنّه يسترجع لحظة المعنى الأولى للنصّ تاركًا المسافة لتأويلات معنى آخر مفتوح على اللحظة الراهنة، وهو ما لا يعني بالضرورة شيئًا لصاحب المصدر. والثاني لأنّه يستبدل الكلمات بكلمات أخرى خاضعًا لتقاليد اللغة الجديدة وقواعدها. يدخل المترجم مغامرةً مجنونة هي أقلمة الكلمات والمعاني داخل ثقافة وذهنيّة مغايرتين.. وبين رهانَي الرّبح والخسارة، يتأرجح المترجم.
عندما نقلت أشعار جويس، بذلتُ مجهودًا كبيرًا وأنا أعيد قراءة القصائد عشرات المرات وموضعتها في سياقها وتحديد معانيها في الهوامش، ومن خلال انتخاب المفردات وعمليّة رصفها في السّطر. في الترجمة، أنا أفعل شيئًا أهمّ من التأليف: أبعث الحياة في الأحياء والموتى على حدّ سواء، وأتركُ فراغات للقرّاء الجدد داخل النصّ لتوليد المعاني. في الترجمة يصبح المؤلّف أعمى في غابة، والمترجم عكّاز يتّكىء عليه.

– مَنْ مِنَ الشعراء الأفرو–أميركيين كان الأقرب إليك؟

* هؤلاء الشّعراء هم شعراء المحن والقضايا المصيريّة. ومَن لم يقرأ شيئًا لهؤلاء فكأنّه لم يقرأ نصف شعراء هذا العالَم. كلّ منهم اقترب منّي بطريقته: مايا أنجلو بانفجاريّتها، وأودري لورد بوعيها العميق، وبوب كاوفمان بعذوبته ومجازاتهن وغيرهم. لعل لانغستون هيوز من أكثر الشّعراء الذي يرنّ صوته الشعريّ في مخيّلتي، شاعر كما يجب. بمسطرة شعريّة دقيقة تجمع بين الثوريّة والبساطة.

– هل تصدمك لغة بوكوفسكي العارية الكاسرة للحواجز؟

* بوكوفسكي لم يعد يصدمني. ما يصدمني هو القارىء وكيف سيتلقّى لغته وأفكاره في كلّ مرّة. أساسًا لا أجد في لغته النّثريّة إلاّ أفكارًا شعريّة هائجة. التّرجمة التي أنجزتها مؤخّرًا بعد صدور روايته “مكتب البريد” هي مجموعته القصصية “أجمل نساء المدينة”، وقد درّبتني قصص هذه المجموعة على الرّكض معه في مساحات الخيال والتخييل والفنتازم الجنسيّ والايروس والفانتاستيك والغروتسك. بوكوفسكي كاتب قصّة عبقريّ، يعرف كيف يمسك الأفكار وكيف يبنيها، وكيف يطرق أبواب المحرّمات بذكاء. هو يقنعك بأنّ كلّ حكاية يكتبها بما فيها تلك المكتوبة بضمير الغائب، وحتّى تلك الغائرة في الفانتازيا والغروتسك، هو البطل أو صديقه أو عدوّه فيها. المجرم الصّغير الّذي يحكي عنه بوكوفسكي –دائمًا- مجرم دافىء “مفرط في إنسانيّته”. هو يحرّرنا كقرّاء من سيف الجلاد ويهدم فوق رؤوسنا بنيان القيم والأخلاق والأحكام المسبقة. بوكوفسكي يعيدُ للشرّ اعتباره ورشاقته وحكمته، وهذا في حدّ ذاته قيمة مضافة.
– سؤال يتكرر بشكل دائم، من هم آباؤك في الشعر؟

* أنا لقيطة شعريًا بلا أبوين وبلا نسب وبلا سلالة. أقرأ الشّعر كما يقرأه عابرو السبيل والحشاشون والسّائحون والباعة المتجوّلون. أقرأه مكتوفة الأيدي.. بفطريّة.. لا بدهشة وإعجاب التلميذ بالمعلّم. الأبوّة مؤسسة قامعة تُلزمُ بتنازلات كبيرة، وتحتّم خصاء الابن بشكل أو بآخر بتبعيّته القسريّة لها.
أعتقد أن كلّ شاعر جيّد في النّهاية هو لقيط لا حائط يستند إليه، والشّعر حالة تتطلّب نكران الآخرين على الدّوام ونفيهم لكَي يبقى هو حيًا. حبّي لمن قرأتُ ومن أقرأ لهم هو حبّ عرضيّ ونسبيّ منوط بدرجة حبّي لقصيدة بحدّ ذاتها دون الأخرى أو برؤية شعريّة دون أخرى لا بمشروع شعريّ كامل. لذا فإنّ حبي الكبير لما كتبه سركون بولص مثلاً هو حبّ لرؤية شعريّة وحبّ لقصائد متناثرة هنا وهناك وحبّ للأشكال المعرفيّة للرجل، والأمر ذاته ينسحب على أسماء أخرى. المحبّة والعرفان موجودان دائمًا لكلّ الكبار والصّغار الّذين يمتعوننا بقصائدهم. لكن دعني أعترف من جهة أخرى بأنّ الشعراء مخيبون للآمال، ولا حلّ سوى إعلان البراءة للتحرّر من عقدة الرّباط المقدّس هذه.
– See more at: http://www.almodon.com/culture/aead6c5f-90b9-450a-b190-6ad54faf3d21#sthash.PY044Hz5.dpuf

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s