اليوميات الحميمة . حوار مع المنظر العالمي فيليب لوجون. حاوره كمال الرياحي

 

نقله إلى العربية صلاح الدين بوجاهlejeune11-copie-2

“دأب فيليب لوجون على الكتابة منذ سنّ العاشرة. ثم جَعَلَته إصابته بذات الرئة في سن الرّابعة عشرة يُقيم سنة ونصفًا في مصحة وقائية في شامونيكس Chamonix، فوجد في الشعر ملجأ وارفًا، ولم يعتد كتابة السرد إلا حين عاد من جديد إلى معهد هنري الرابع حيثُ تابع دراسته قبل أن يتم قبوله في دار المعلمين العليا. وسرعان ما غدا تحرير اليوميات بالنسبة إليه سبيلاً تؤدي إلى تحمل! العودة إلى الحياة الاجتماعية، التي لم يكن يعتبرها ملائمة.

فاختار أن يكون أستاذًا، بسبب الجوار بين هذا الشغل ونشاط الكتابة. وأحرز على ”التبريز في الآداب العرضية“ سنة 1962، وتولّى التدريس في جامعة شمال باريس حتى سنة 2004 مركزًا حياته العملية في دراسة ”اليوميات الحميمة“، سواء منها يومياته أو يوميات المشاهير… أو المغمورين.

فأضحى من المتخصصين العالميين المعترف بهم في مجال السيرة الذاتية، بعد أن ابتدع مفهوم ”الميثاق السردي“ على وجه الخصوص، ودأبَ على مواصلة بحوثه، بعد تقاعده واشتراكه في بعث ”الجمعية من أجل السيرة الذاتية“، والإشراف على موقعه الخاص على الانترنيت الموسوم بـ ”الميثاق الذاتي“.

هكذا غدا مهتما بمسودات السيرة الذاتية ومخططات أعمالها، فتمكن من أن يكون ممثلا لقطاع البحث الأدبي الموصول بالسيرة الذاتية عموما.”

Œ  هل في إمكان نوع السيرة الذاتية أن يحيا تحت نير نظام غير ديمقراطي؟ وهل له أن يزدهر في ظل أنظمة ديكتاتورية؟

 

ŸŸ بلى، بيد أنه في هذه الحالة مُكْرَهٌ على البقاء طيّ الكتمان، وعلى دخول ”سياق المقاومة، وإمكان التسبب في مخاطر جمة لصاحبه، لاستناده إلى الرهان المتمثل في بزوغ الحقيقة، يوما ما! فاليوميات هي أكثر الأشكال ملاءمة لهذه المقاومة.

إن الكتابة اليومية في ظل حكم ديكتاتوري ذات وظيفتين: أولاهما آنية موصولة بحفاظ الكائن على هويته وبقيمه في ظل نظام يتوق إلى القضاء المبرم عليها، أما ثانيهما فيقوم على عدم السماح للمغالطة والنسيان بالغلبة. فالكتابة تبقَى نشاطا سريًا لوقت ما، أما إذا ما تم اكتشافها فالمرء يمكن أن يلقى حتفه! ولقد تمّ في الآونة الأخيرة نشر كتاب في فرنسا يجيب مباشرة على استفهامك: لهيلانة كاماراد Hélène Camarade، موسوم بـ”كتابات المقاومة“. وهو يمثل اليوميات الحميمة تحت الرايش الألماني الثالث (تولوز، مطابع جامعة ميرال 2007). ولك أن تستحضر ذكرى يوميات ”معتقل فرصوفيا“، التي كانت قد دُفنت تحت الأرض، ثم بُعثت من جديد لتتمكن من الشهادة بدل أصحابها الهالكين.

ولا شك أن النماذج في هذا الباب لا يُمكن أن تُحصى، ولنا أن نقع عليها تحت النظام الشيوعي، أو غيره من الأنظمة الديكتاتورية. فلقد تم فتح الأرشيف الروسي منذ 1989، فظفر الباحثون بوثائق محفوظة بكيفية جيدة (وفي هذا تناقض عجيب) … بِيوميات كانت قد مثلت دليل إدانة بالنسبة إلى كُتابها، ثم غدت اليوم تمثل أدلّة ضد جلاديهم!

أذكر مثلا أنني قد اطلعت على يوميات نينا لوغوفيسكايا Nina Lourgovskaïa التى نشرت تحت عنوان: ”يوميات تلميذة سوفياتية (لافون 2005 Laffont)، وهي يوميات كتبت في سن 14-18، من قبل تلميذة ثانوي لم تتمكن من الصمت، وهي يوميات تسببت في ترحيلها صحبة أسرتها إلى معسكرات الغولاك سنة 1937.

هكذا تَغدو اليوميات أسلوب مقاومة رئيسي، لا السيرة الذاتية، التي غالبا ما تُراعي فن التشكيل الأدبي، وتصبو إلى العثور على قراء يعسر أن نجدهم في ظل الدكتاتوريات. أما اليوميات فهي لا تنتظر أية قراءة، كما ان جانبها الفنى ينسبُ الموهبة عادة إلى أفراد مجهولين. إن السيرة الذاتية غالبًا ما تزهر عند سقوط الديكتاتوريات، وهذا ما لاحظناه في إسبانيا خلال الآونة الأخيرة.

Œ  من خلال كتابكم الموسوم بـ”أنا الآنسات“ (1993)… أية خصوصية تجدون في النساء… هل تمكنت الأوانس من التحرر من صمتهن الطويل؟

ŸŸ أَستشفّ من هذا وجود صلة جلية باستفهامكم السابق! كيف تمكنت النساء من التحرر من ديكتاتورية الرجال؟ إنّ الكتابة النسائية في مستوى الطبقات الحاكمة في فرنسا قد تحررت أول أمرها بفضل المراسلات (بداية من القرن 17) ثم وقع ذلك بفضل اليوميات الخاصة (بداية من نهاية الثامن عشر)، إلى درجة تأكيد سلوكين يُعتبران إلى اليوم بمثابة النشاط ”النسائي“ عموما، وهما كتابة الحياة الخاصة بجوانبها الحميمة، وما يُعاكسها من كتابات عامة أقرب إلى الصياغة الأدبية، تُنسبُ إلى الرجال… لا شك أننا هنا في باب الرواسم والكليشيات، إنما هي رواسم تستند إلى جانب من الصحة!

بالنسبة إلى اليوميات، باغتتنِي سنة 1991 الصورة الجامدة Stéréotypée التي شاعت في شأن ”أوانس“ القرن التاسع عشر، والقائمة على معرفة ثلاث أو أربع يوميات منشورة، هي ذاتها دائما… وهي يوميات أوجيني دي غيران Eugénie de Guérin وماري باشكيرتساف Marie Baskkirtseff وماري لوناري Marie Lenérue.

لذلك دأبتُ على الإبحار داخل الأرشيفات العامة والخاصة وعثرتُ على أكثر من مئة من ”يوميات الأوانس“ مكنتني من إعداد جدول أكثر دقة. ولفت انتباهي إلى أنّ اليوميات قد غدت بداية من نهاية القرن الثامن عشر أسلوبا لتربية الفتيات،في صفوف الطبقات الحاكمة.

وكان يتم تدريبُ الفتيات على كتابة اليوميات منذ القداس الأول، حوالي 10 أو 11 سنة، حيث تقع مراقبتهن وإصلاح كتاباتهن أحيانا، حتى يتمكن الأهل من توجيه أخلاقهن وإصلاح أساليبهن في الكتابة.

والإشكال (إذا ما تيسير أن أتحدث هكذا) يتأتّى من أنه يصعب تعليم الناس الكتابة دون ردّة فعل… تتمثل في أنهم سوف يقبلون يوما على هذا النشاط، لحسابهم الخاص! ففي سن المراهقة غالبا ما تميل الفتيات إلى تأمل مستقبلهن، مما يجعل ”اليوميات“ ذات استعمال خاص، بل استعمال سري أحيانا.

ولقد حاولتُ متابعة حركة التحرر الأخلاقي هذه الهادفة إلى الإبداع الذهني والفني طيلة القرن التاسع عشر، وذلك بإعطاء الكلمة إلى هؤلاء الآنسات… اللائي لبثن مُلجمات، شيئا ما! وكان ذلك إسهامًا فيما يُلَقّب اليوم بـ”الدراسات الخاصة“ Gender Studies، أي في سياق إيقاع سيمون دي بوفراو: حيث ”لانولد… إنما نُصبح امرأة“!… الآن أيضا تُوجد ألوان من الضغط تدفع الفتيات. إلى كتابة يوميات. فالآباء في فرنسا، والأجداد أيضا، يُهدون إلى صغيراتهم دفاتر لطيفة تحمل أقفالاً… من النوع الذي لا يفكرون البتة في تقديمه إلى الأولاد!

اليوميات الحميمة والمحظور/ الحياة الخاصة ملك مشترك

Œ‘  إن تمييز ”السيرة الذاتية“ من ”اليوميات“ يلحُّ عمومًا على البعد الزمني، فهل توجد اختلافات مهمة أخرى؟

ŸŸ إنّ الاختلاف الآخر الممكن يتمثل في المتقبل: وسأعود إلى هذا، بيد أنني أرغب بدوري أن ألح على الزمن، أو على إحدى نتائج هذا الاختلاف.

فالسيرة الذاتية تقوم على سرد استرجاعي… وهو فعل يشمل أزمنة الماضي والحاضر ضمن حدود سطوته الوهمية. فكاتب السيرة الذاتية يعرف نهاية حكايته، إنها هو ذاته، في طور كتابتها. هكذا يُمكن للسيرة الذاتية أن تتكون من بداية ووسط، ونهاية. فهي من هذا المنظور: ”عمل أدبي“. أما اليوميات، بالنسبة إلي، فلا يُمكن تعريفها باعتبارها حكاية، إذ تتمثل في ”تعاقب آثار محددة زمنيا“، ”آثار“ مكتوبة في الغالب بلا شك، إنما هي سردية بالضرورة. قد تكون أفكارا أو أوصافا، إلخ… ولا شك أنّ هذا المسلسل الذي يحمل تحديدًا زمنيا ينفتح دون توقف على مستقبل غير متوقع يَحُدُّ من سطوة كاتبه!

فمن يتولى تحرير ”يوميات“ يملك في الغالب عناصر متتالية، أو برنامج عمل، وقواعد كتابة. بيد أنه في نهاية المطاف يتولى ذلك بالاشتراك مع قرين تصعب مراقبته، إنه المستقبل… حتى حين يكون فعل كتابة اليوميات -ولو جزئيا- يتحمل وظيفة إعداد تتمة السيناريو…!

فاليوميات لا تُستهل كتابتها بدءًا من النهاية: إنها تعكس الحياة مثلما نحياها، غير ثابتة، تحمل أخطارها، بل إن موقف صاحبها من هذا المستقبل ”موقف فعل“ أكثر منه ”موقف معرفة“. فقارئ اليوميات الذي يُمكن أن يكون، أو هو في الغالب كاتبها نفسه، قد أمضَى وقتًا على كتابتها. هو أيضا في موقع يختلف تماما عن موقع كاتبها:

ففي إمكانه القفز على بعض الصفحات للتعرف على أحداث لم يكن يعرفها الكاتب. لهذا فإن اليوميات المكتملة (أحيانا بسبب موت صاحبها) يُمكن بلا شك إعادتها إلى مجال ”الأعمال الأدبية“. بيد أن اليوميات، حسب كتابتها الآنية تعكس حقيقة إمكاناتنا!

أما العمل الأدبي الذي يتكون من أجزاء فيكشف وهم إحساسنا بالضرورة. وإني إذ اعتذر عن هذا الاستطراد الفلسفي، فانني أرى أنّ الإشكال الزمني لا يمكن داخل حلف ”نحو السرد“ فحسب، إنما هنالك رهانات الماوراء أيضا. من ذلك التنازل نحو اليوميات من قبل المؤمنين ”بالعمل الأدبي“، مثل موريس بلانشو Maurice Blanchot.

أعود في النهاية إلى استفهامكم، فالسيرة الذاتية تكاد تكون مكتوبة في أغلب الأحيان للآخر، مثلما هي مكتوبة لذواتنا. أما اليوميات فعكس ذلك، يُمكن ألا تكون مكتوبة للذات!

لقد فاجأني عدد من كُتّاب اليوميات الذين يجزمون بأنهم قد أتلفوا كل يومياتهم، أو جزءًا منها. فرغبة الحفاظ على بعض آثار الحياة يُمكن أن تتضارب مع خوف الانكشاف إزاء الآخرين، أقرباء كانوا أو مجهولين. ذلك أنّ أفضل حارس أسرار… هو الصمت!

Œ’  هل يبدو كُتاب ”اليوميات الخاصة“ حين نتأمل التاريخ أكثر جرأة، أو أكثر حرية، من كتاب السيرة الذاتية؟ أو لعل الغموض بين ”السيرة الذاتية“ و”الرواية“ هو الذي رفع من شأن بعض الجوانب المحظورة في أعمالهم.

ŸŸ حين نتحدث عن ”رفع المحظورات“ فإننا نفكر بسرعة في ”الجنس“، تسألونني إجمالاً عن إمكان اللجوء إلى سر اليوميات (وهي كشفٌ مغاير في الزمان) أو إلى افتعال الهروب من الوهم (وهو كشف غير مباشر)، لمواجهة صعوبات السيرة الذاتية العامة، ذات الشكل المحيل على ضرب من ضروب الإعلان عن خيارات جنسية معينة!.

من الصعب تقديم إجابة مطلقة، فالأمر على صلة بالعصور، والحالات، لهذا سألجأ إلى نماذج فرنسية. فلقد لفت انتباهي أمران، إذ كان روسو قد أعلن في ”الاعترافات“ عن برنامج نزاهة تامة، وقدم المثال، خاصة في باب الجنس… بيد ان الكُتّاب الذين عقبوه لم يقتفوا أثره، إذ أكّد كُتّاب السيرة الذاتية الفرنسيون تحفظهم الكامل خلال قرن ونصف، حتى مصنف أندري جيد André Gide الموسوم بـ:”إذا لم تتلف البذرة“، بل إنهم كانوا في الغالب يقفون من قلة التحفظ موقفا سلبيا.

لذلك يتم التعبير في اليوميات المحافظة على سريتها عما يُمكن أن ألقبه باستكشاف جنسي محتشم، وهو ما نجده عند أميال Amiel، وبشيء من الجرأة عند جيل ميشلاي Jules Michelet أو جَهان ريكتوس Jehan Rictus (الذي لبثت يومياته غير منشورة حتى اليوم) أو بعد ذلك عند بول ليوتار Paul Leautard.

ولاشك أن معضلة الحكايا الجنسية لا تكتفي باختراق المحظورات الجنسية فحسب، إنما تصف مشاهد يٌشارك فيها آخرون، فتكشف حياتهم الخاصة رغما عنهم أحيانا! فالحياة الخاصة ملك مشترك، ولها نواميسها. ألم تتم مؤاخذة رُوسُو لتقديمه اعترافات السيدة وارانس أكثر من اعترافاته الشخصية. هذا ما قد يبدو ملائمًا من خلال موقف مفتعلي الهروب من الأعمال التخييلية ذات الطابع السير الذاتي.

يأمل المرء أن يتمكن من التعبير بحرية بإهمال الإشارة إلى الهويات، ويشتغل على الشك! بيد أنّ هذا اللعب مُغالِطٌ، فلا جدوى من تغيير الأسماء، إذا ما انتبه المحيطون بك إلى الحقيقة! أما المعنيون بالأمر فسرعان ما يتعرفون على أنفسهم بسهولة.

إنّ كل المحيطين بسارج دوبروفسكي Serge Doubrovsky يعرفون جيدا من هي راشال Rachel التي يثأر منها بوحشية في ”قطعة التخييل الذاتي“ الموسومه بـ ”حب الذات“ 1982؛ وأعترفُ أني قد قرأتُ في الآونة الأخيرة بحرج كبير أيضا ”رواية“ فيليب فورست Philippe Forest… ”الحب الجديد (غاليمار 2007). وكتاب ايمانوال كارّار Emmanuel Carrère الموسوم بـ”حب روسي“ (P.O.L. 2007).249890-image-3_1298459050

وقد يذهبُ في ذهن الواحد منّا أنه يُشارك شخصًا ما سريره، فإذا به يجد نفسه نائما داخل كتاب. لهذا يبدو أنه من دواعي الحذر أن نلبث بعيدين عن الكُتاب!

على إثر هذا الاستطراد أعود إلى سؤالك. ذلك أن الحدث السير ذاتي المباشر والمعترف به يحوي قوة خارقة. وهذا ما وقعنا عليه منذ سنوات في ”حياة كاترين م. الجنسية“ للكاتبة كاترين مييّايْ Catherine Millet (Gallimard 2001). وهو كتاب مجانبٌ للحياء فيما يبدو، بيد أنه ”سريريْ“ حقا بالنسبة إلى سيدة قد أقبلت على تحليل مطول لحياتها الجنسية الحرة والكثيفة، وهذا من الأشياء المستحدثة في المشهد الأدبي. فلقد ذهب زمن الاعترافات السريعة التي تصيب الحياة الجنسية بالتفاهة في مستوى عروض الشاشة الصغيرة، أو فوق صفحات المجلات. إننا إزاء حدث إناسي أصيل شُجاع… يُعيد تناول المشعل من يد جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau.

Œ“  في كتابكم ”يوميات للذات“ Un journal à soi (2003) الذي أعددتم مع كاترين بوغاآر Catherine Bogaert نشرتهم مختارات من اليوميات، فما هي مقاييس اختياركم لها؟

ŸŸ كانت خياراتنا مستندة إلى ”التنويع“ و”النمذجةُ“. فحين يتحدث النّاس عن ”مختارات“ فإنهم يستحضرون في الغالب ”أجمل الصفحات ضمن نوع من ”مناظرة“ الجودة، أو ”عيون الأدب“. أما أنا وكاترين بوغاآر فلقد كنا على موجة أخرى! ذلك أن المقتطفات لم تورد هنا لقيمتها الذاتية، خاصة إننا معا نعتقد ألا معنى لقراءة صفحات مفصولة عن أصلها. فتجربة الاطلاع على يوميات ينبغي أن تكون متواصلة، خاضعة لضرب من المعاشرة. فمقتطفاتنا كانت تهدف إلى إيضاح الجدول الذي أعددنا حول سعة هذه الممارسة، في تنوعها البديع!

وسألجأ هنا إلى عقد مقارنة. فماذا نعرف عن البحر حين نكون على ضفافه؟ هو المساحة التي تنبثق منها أحيانا بعض الجُزر، أو بعض الأسماك التي لا تتغير، والتي يجلبها الصيادون، وبعض الأعشاب والمحار الملقى على الشاطئ!

حين نتذوق بشراهة بعض ”اليوميات الأدبية“، فإنّ ذلك يختلف بعض الشيء عن الانغماس في طبق سمك موسى في أحد المطاعم: إنها لذيذة جدا، بيد انه يعسر الجزم بأنها تمكننا من معرفة حقيقية بالحياة داخل البحر.

أنا وكاترين لم نكن نبحث عن فتح مطعم أسماك، إنما متحفًا للتاريخ الطبيعي. لذلك ارتحلنا نحو الأعماق حيث ألقينا شباكنا، وجعلنا غواصينا ينزلون معنا، للعودة بنماذج، وصور لا حصر لها!

إنّ الجمال هنا لا يصدق، كذلك تنوع نباتات البحر أو حيواناته… فالطبيعة خيال مجنون، وهذا مماثل تماما لليوميات.

لي أن أقدم أرقاما: إذ يُنشر في فرنسا حوالي ثمانين يومية في السنة (خاصة يوميات أدباء رجال)، بينما يوجد حوالي ثلاثة ملايين شخص (8% من السكان أكثر من سنة 15 سنة) يشغلهم إعدادُ ضرب من اليوميات، بشكل غير منتظم في الغالب!

وكان عنوان كتابنا الثانوي: ”تاريخ ممارسة“، فكتابة اليوميات هي ممارسة، وقد سعينا إلى إثبات ذلك! وكانت فكرتنا تدور حول اعتبار ”المطبوع“ يُنقِصُ كثيرا من ”أثر“ ”الفريد“! ومن المقدرة الفنية (الورق-الحبر-الكتابة-الرسوم- الوثائق المصاحبة).

وكانت فكرتنا أيضا تؤكد أنّ اليوميات يمكن أن تصاحب كل أبعاد حياتنا: فهنالك يوميات للحلم، وأخرى للمآتم، أو الحروب، أو العناية بالحديقة، والمطبخ، أو للتربية، والمطالعة والأمراض، والشغل، والعطل إلخ. لكل واحدة من هذه الفصائل –في متحفنا- اخترنا نماذج قد لا تكون أرفع من النماذج الأخرى، لكنها دالة عليها.

إننا إزاء صفحات ”نماذج“ نعيد تقديمها مشفوعة بصور منها، باختيار تلك التي ”تحاور العين بطريقة خاصة“، إذا ما تيسّر أن أقول هذا! هذا هو مبدأ ”مختاراتنا“. فالكتاب يوجد في إطار إيقاع العرض الذي كنا قد نظمنا في ليون au Lyon 1997. حيث أكدنا، عبر الواجهات الزجاجية، أننا نعرض ضربًا من تاريخ اليوميات، من الصفحة الأولى حتى الأخيرة، عبر 250 مخطوطا من يوميات معروفة، وغير معروفة.

Œ”  ما هي دواعي كتابة يوميات حميمة؟ ما هو حضور الاضطرابات في هذا المجال؟

ŸŸ كلا قطعا! إننا هنا إزاء استيهام… فغالبًا ما يعمد أولئك الذين لا يقومون بإعداد يوميات، أولئك الذين يزعجهم ذلك (فليس من المريح بالنسبة إلى البعض أن ينظروا داخل ذواتهم) إلى الاطمئنان على صحتهم العقلية باعتبار أصحاب اليوميات أشخاصا مرضى. كل الدلائل تشير إلى أنّ رواة اليوميات لا يختلفون عن الآخرين في شيء.

كل ما هنالك أنّ اضطراباتهم الذهنية -حين تكون هنالك اضطرابات بالصدفة- تنكشف للعيان بسبب الإشارات التي يتركون عن أنفسهم! وأنا أقترح تقديم الإشكال بكيفية مغايرة: ما هي جدوى كتابة يوميات بالنسبة إلى التوازن النفسي؟ يدور جوابي حول اعتبار ممارسة اليوميات من قبيل الوقاية لا العلاج، هي مثل ألعاب القوى، أو ممارسة رياضة… إلخ.

إن ذلك يُحافظ على لياقة المرء وصحته، ويُمَكِّن من المزيد من الدربة، يسمح للذاكرة وقدرات التفكير بأن تتمرن. وذلك يدرب على فن الكتابة بممارستها بانتظام. فهو نشاط محبب، مهدّئٌ بنّاء. لكن الحياة يُمكن أن بطبيعة الحال تقترح علينا أساليب للحصول على نتائج مماثلة.

من ناحية أخرى فإن إعداد يوميات شديدة الانتظام يُمكن أن يُفضي إلى سلبيات: منها تجميد شخصية المرء، ويؤدي بحراكها إلى التؤدة والتريث. لذلك فإنني لا اعتبر أنّ كتابة يوميات من الأمور النافعة بالضرورة! أحيانا ينبغي علينا التغاضي عن ذواتنا، والمرور بأطوار إهمال، مثلما يحدث للمزارع الذي يناوب حرثه. وهذا على أية حال ما ينهض به كل الناس بصفة عفوية. فمن قبيل الوهم أن يذهب في ظننا أنّ ”كتابة“ اليوميات يُمكن أن تكون من الصفات التي تمثل ”طبعا“ أو شخصية ما!

فمن النادر أن يحتفظ الناس بعادة تحرير مذكرات خلال حياة بكاملها. كل ما هنالك أنّ الأمر يحدث في بعض الأطوار، خلال الأزمات التي تُمكننا اليوميات من تجاوزها، أو من التوقف عندها،… وأحيانا نعود إلى ما كتبنا بعد عشرين سنة، لغايةٍ مغايرة تماما…

فمن المستحيل التعميم في هذا المجال. كل ما هنالك أننا إزاء ضرب حسن من ضروب الوقاية.! أما اعتبارها علاجًا، فأنا أشك في هذا، البصر، السمع، الكلام، البعد عن الآخرين، كفاءاتهم… أيضا… تبدو ضرورية… انطلاقًا من مستوى ما من مستويات الاضطراب؟

‹  حسبتُ أنّ اليوميات الحميمة شائعة بالنسبة إلى جميع الحضارات إلى أن اطلعتُ على ما كتبتم في شأن يوميات اليابان، المختلفة تماما في رأيكم!

ŸŸ تبعا من خلال القليل الذي أعرفه عنها! إننا دوما نتكئ على الترجمات -وتبعا لحدود رغبتنا في الاطلاع- ينبغي الإقرار بهذا بكلّ تأكيد. فإن ”النِّكّي“ ”اليوميات“؟ التي تُنسبُ إلى تلميذات البلاط في اليابان خلال القرن العاشر والحادي عشر أو سجلات ما قبل النوم هي في الغالب ثبوتٌ شعرية عجيبة) مثل تلك المنسوبة إلى ساي شوناغون Sei Shônagon في العصر نفسه… تجعلنا نحس بالألفة، ويُمكن أن تُغذي كتاباتنا (مثلما كان الأمر بالنسبة إلى جورج شراك) بيد أننا سرعان ما ننتبه إلى اختلافها وغرائبيتها، لطابعها المحدود، والزائل.

يوجد وهمٌ موصول بالرغبة في تقويم ماضي حضارتنا، أو عادات الحضارات الأخرى المختلفة عنا، بإعادتها إلى أساليب تصرفنا الراهنة، هذه التي نعتبرها اليوم بمثابة النماذج! فحين حررتُُ ”الميثاقالسير ذاتي“ أكدتُ أن عملي لا معنى له إلا في أوروبا بداية من النصف الثاني من القرن XVIIIs.

وكنت قد لاحظتُ أعلاه في خصوص موضوع محدد، أنه كان من الممكن استعمال تحليلاتي الواقعية (البرغماتية) خارج هذا الحقل الثقافي. لكن لا معنى للرغبة في العثور على ”روسو“ في كل مكان!

لقد لفتت انتباهي مؤخرًا المقدمة الجديدة التي شفعت بها صابرينا ماروين Sabrine Mervin الترجمة الفرنسية لسيرة محسن الأمين الذاتية (1967-1952)، فحللت مظاهر الحرج والتوتر الناتجة عن الإحالة الدائمة على السيرة الذاتية الغربية الحديثة في مجال دراسة السيرة الذاتية العربية التقليدية.

وقصد العودة إلى استفهامكم الموصول بكونية اليوميات فإنني أفكر من جديد في إخفاق محاولات البحث التي باشرتُها بمناسبة زيارات خاصة إلى الجزائر أو مصر. بفضل بعض الزملاء سعيتُ إلى استجواب مجموعات من الطلبة حول اليوميات مثلما كنت قد فعلت في تحقيقاتي في فرنسا.

لكنني سرعان ما انتبهتُ إلى أنّ الاستجواب لم يكن ملائما، وأن مجموعات الطلبة الفرنكوفونيين لم يكونوا يمثلون مجموع السكان، لقد كنتُ قادما من الخارج تصحبني أسئلة غير جيدة!

فقد أفهمتني طالبة في الجزائر، خلال وقت طويل، كيف أنه في حسبانها أنّ كتابة اليوميات كانت نسبيا من الممارسات الأدبية الغريبة بالنسبة إلى وطنها: الدين، الأسرة، صعوبة الحصول على مكان منفرد، غياب التشجيع على التصريح…

لقد استخلصتُ من كل هذا فكرة مفادها أنّ هذه القضايا تقتضي تحقيقا من الداخل، إذن: الكرة في ملعبكم مثلما نقول: لك المبادرة! وليس لي أن أقدم من الخارج مصحوبًا بأسئلة غير مجدية، وحُب اطلاع ليست في مكانه رغم وجود ضرب من ”العولمة“ في ثقافة الشباب، فإن كل بلد، وكل ديانة تحتفظ بخصوصياتها…

هذا ما نلاحظه داخل الفضاء المسيحي ذاته، حيث إنّ العلاقة بالذات، وبالأدب الحميمي، غير متماثلة… الكاتوليك والبروتستان!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s