سايمون دي بوفوار : الحب امتياز عظيم. الحب الحقيقي

حوار: مادلين غوبيل
CARTIER-BRESSON_1945_Simone_de_Beauvoirكانت سايمون دي فوفوار هي من قامت بتقديمي الى جان جينيه وجان – بول سارتر، حين اجريت الحوار معهما. لكنها ترددت في مسألة محاورتها هي: “لماذا علينا التحدث عني؟ الا تعتقدين بانني قلت ما فيه الكفاية في كتبي الثلاثة عن الذكريات؟” ولذلك لزمني ان اكتب لها رسائل عدة واقوم بمجموعة محادثات واقنعها بتغيير موقفها، وما كان ذلك إلا بشرط “ان لا يكون الحوار طويلا جداً”..
اجري الحوار في استوديو دي بوفوار الكائن في شارع تشويلتشر في مونتبارتاس، على مبعدة خمس دقائق سيرا على الاقدام من شقة سارتر، جلسنا نتحاور في غرفة واسعة مشمسة، تستخدمها كمكان للكتابة والقراءة وحجرة جلوس. الرفوف مزدحمة بكتب يبدو بوضوح انها غير مهمة قالت: “الكتب الافضل بين ايدي اصدقائي ولن تعاد على الاطلاق”. الطاولات مغطاة باشياء ملونة جاءت بها من رحلاتها، غير ان العمل الثمين الوحيد في الغرفة كان مصباحاً اشتغله جياكوميتي خصيصا لها. وعبر الغرفة ثمة مجموعات كبيرة متأثرة من الاسطوانات، تعتبرها دي بوفوار واحدة من مظاهر الترف القليلة التي تحتفظ بها لنفسها.
الى جانب ملامح وجهها الكلاسيكية، كان ما لفتني في سيمون دي بوفوار طبيعتها الحيوية المتألقة، وعيناها الصافيتان الزرقاوان، وبدت في غاية الشباب ضاجة بالحياة، كما يخرج المرء بانطباع انها تعرف وترى كل شيء، وهذا ما يولد فيه حبنا، بمعنى ما، كلامها يتصف بالسرعة، مسلكها مباشر من دون فظاظة، وغالبا ما تكون مبتسمة وودودة.

* خلال السنوات السبع الاخيرة كنت تكتبين ذكرياتك، التي تساءلت فيها باستمرار عن موهبتك واحترافك للكتابة. لقد تشكل لدي انطباع بان فقدانك للايمان الديني هو ما جعلك تتجهين للكتابة؟
– من الصعب جدا ان يراجع المرء ماضيه من دون ان يغش قليلا. رغبتي بالكتابة تعود الى زمن بعيد. كتبت قصصاً في الثامنة من عمري، غير ان كثيرا من الاطفال يفعلون ذلك. وهذا لايعني، في الحقيقة، انهم يملكون موهبة الكتابة. ربما تكون الموهبة في حالتي انا قد برزت لانني فقدت الايمان الديني؛ كما إنه لأمر حقيقي انني عندما قرأت كتبا اثرت بي بعمق، كرواية جورج اليوت “الطاحونة عند النهر”، اردت عندها وبقوة ان اكون مثلها، انسانة تتم قراءة كتبها، وان تكون كتبها ذات تأثير محرك للقراء.
* هل تأثرت بالأدب الانكليزي؟
– كانت دراسة اللغة الانكليزية واحدة من طموحاتي منذ الطفولة، هنالك جزء من أدب الاطفال باللغة الانكليزية اكثر جمالا وامتاعا بكثير مما يوجد باللغة الفرنسية. احببت قراءة “اليس في بلاد العجائب”، و”بيتر بان”، وجورج اليوت، وحتى روسماند ليهمان.
* هو كتاب “الجواب المغيبر”؟
– لدي شغف حقيقي بهذا الكتاب رغم انه عادي في قيمته، فتيات جيلي متيمات به. كان المؤلف صغيرا جداً، وكل فتاة ماثلت نفسها مع جودي. كان الكتاب ذكيا، وكان رقيقا ايضا. بالنسبة لي، اني احسد حياة الجامعات الانكليزية. عشت في البيت. لم يكن لي غرفة خاصة بي. في الحقيقة، لم يكن لي اي شيء. ومع ان تلك الحياة لم تكن تتصف بالحرية؛ لكنها سمحت بالتطلع للخصوصية وبدت لي رائعة حينذاك. لقد عرف المؤلف جميع موضوعات الفتيات الصغيرات المفضلة – صبيان وسيمون مع جو من الغموض من حولهم، وهكذا.
فيما بعد، طبعاً، قرأت اعمال الأخوات برونتي وكتب فيرجينيا وولف اورلاندو، ومسز ديلاوي. انا لا اعير اهتماما كبيرا لزوايتها “الامواج”، لكنني مفتونة جداّ بكتابها عن اليزابيث باريت براوننغ.
* وماذا عن مذكراتها؟
– اهتمامي بها أقل. انها ذات طابع ادبي زائد. انها مثيرة، لكنها غريبة بالنسبة لي. فيرجينيا وولف معنية جدا ان كانت ستنشر، معنية بما سوف يقول الناس عنها. احببت كثيراً “غرفة تخص واحدةاً” حيث تتحدث فيه عن وضعية النساء. انه مقال قصير، لكنه يضرب المسمار في الرأس. انها تشرح على نحو جيد للغاية لماذا لا تستطيع النساء الكتابة.
فرجينيا وولف واحدة من الكاتبات الأكثر الفاتاً لي. هل سبق وان رأيت صورة لها؟ وجه متوحد استثنائي.. إنها، بطريقة ما، اثارت اهتمامي اكثر من كوليت. فكوليت، في النهاية، كثيرة الانشغال بعلاقاتها الغرامية الصغيرة، بالمسائل البيتية، بالغسيل والكوي، بالحيوانات الاليفة المسلية. فيرجينيا وولف تملك رحابة افق اكثر بكثير.
* هل قرأت كتبها مترجمة؟
– لا، باللغة الانكليزية، انا اقرأ الانكليزية افضل مما اتحدث بها.
* ماذا ترين في تعليم الكليات والجامعات بالنسبة للكاتب/ الكاتبة؟
– انت نفسك كنت طالبة متميزة بذكائها في السوريون، وتوقع لك الناس موقعا متميزا كمعلمة.
منحتني دراستي معرفة منهجية اكاديمية بالفلسفة لكنها حدث من اهتمامي بها. لقد استفدت كثيراً من كوني معلمة – بمعنى: من قابلية ان امضي وقتا طويلا في القراءة، والكتابة، وتثقيف نفسي. لم يكن المعلمون، في تلك الأيام، تحت اعباء من البرامج كبيرة. منحتني دراستي ارضية صلبة لأنه، ولكي تجتازين الامتحانات، عليك اكتشاف ومعرفة مناطق ما كنت لتعبئي بها إذا ما كنت مهتمة فقط بالثقافة العامة. زودتني دراساتي بمبادئ اكاديمية معينة ذات فائدة لي عندما كتبت “الجنس الثاني”، كما كان لها فائدتها ايضا، بالعموم، في جميع دراساتي.
اعني، طريقة في قراءة الكتب بسرعة كبيرة، وفي معرفة أي الاعمال هي مهمة، وفي القدرة على التلخيص، وعلى التصفح.
* اكنت معلمة جيدة؟
– لا أظن ذلك، إذ كنت مهتمة بالطلبة الاذكياء فقط غير ملتفتة للآخرين على الإطلاق، بينما على المعلم الجيد ان يهتم بالجميع. لكنك اذا ما كنت تقومين بتدريس الفلسفة، فانك لا تستطيعين منع نفسك من هذا. هنالك دائما خمسة او ستة طلاب يقومون بالنقاش والحوار، اما البقية فلا يكترثون بعمل اي شيء. لم اكترث بهم كثيراً.
* كنت تمارسين الكتابة قبل ان ينشر لك بعشر سنوات، عندما بلغت الخامسة والثلاثين. ألم تحبطي؟
– لا، لأنه في زمني لم يكن من الطبيعي ان ينشر لمن لا يزال شابا صغيراً بالطبع، هنالك مثال واحد او مثالان، كـ راديجويت، الذي كان معجزة. سارتر نفسه لم ينشر له إلى ان بلغ الخامسة والثلاثين، عندما اصدر “الغثيان” و”الجدار”. حينما رفض نشر اول كتاب لي، اصبت ببعض الاحباط. وعندما رفضت النسخة المخطوطة من “جاءت لتبقى”، ما كان الأمر مفرحا. ثم فكرت بان علي ان اخذ وقتي. عرفت امثلة عديدة من كتاب كانت بداياتهم بطيئة. ودائما ما يتحدث الناس عن حالة ستندال، الذي لم يبدأ الكتابة إلا عندما بلغ الاربعين.
* اكنت متأثرة بأي من الكتاب الاميركيين عندما كتبت رواياتك الأولى؟
– في كتابتي لـ “جاءت لتبقى” كنت متأثرة تحديدا بهيمنعواي، اذ علمنا جميعا بساطة معينة في الحوار واهمية الاشياء الصغيرة في الحياة.
* هل ترسمين خطة محددة بدقة عندما تكتبين الرواية؟
– انا لم اكتب رواية لمدة عشر سنوات، هي المدة التي انشغلت فيها بكتابة ذكرياتي. فحين كتبت “المثقفون”، مثلا، قمت بخلق شخصيات وجو من حول موضوع جاهز، ثم شيئا فشيئاً تشكلت الحبكة. لكنني، بالعموم، ابدأ بكتابة الرواية قبل ان اشتغل على الخروج بالحبكة بوقت طويل.
* يقال بانك ملتزمة بعملك بحزم ولا تسمحين ابداً بانقضاء يوم من دون عمل. في اي وقت تبدأين؟
– اني دائمة العجلة في المضي بالعمل، مع انني بالعموم لا احب ان ابدأ يومي كذلك. في البداية اشرب الشاي وبعدها، عند العاشرة، اتهيأ واعمل حتى الواحدة. ثم اجتمع باصدقائي وبعدها، عند الخامسة، اعود للعمل واتابعه حتى التاسعة. انا لا اجد صعوبة في اعادة التقاط الخيط في المساء. فبعدما تغادرينني، ساقوم بقراءة الصحف او ربما اخرج للتسوق. غالبا ما يكون العمل مصدر بهجة.
* متى تلتقين بسارتر؟
– كل مساء وغالبا وقت الغداء. اعمل بالعموم في شقته بعد الظهر.
* ألا يزعجك الانتقال من شقة الى اخرى؟
– لا. منذ توقفي عن كتابة كتب ثقافية، اقوم بأخذ جميع اوراقي معي ويتم العمل هناك بشكل جيد جداً.
* وهل تعاودين الغوص فيها على الفور؟
– يعتمد ذلك على طييعة ما اقوم بكتابته. فاذا كان العمل جاريا على ما يرام، فاني امضي ربع او نصف ساعة لقراءة ما كتبته في اليوم السابق، واجري بعص التصويبات القليلة. ثم اتابع من هناك. ينبغي عليّ قراءة ما كتبته لالتقط الخيط والمواصلة.
* هل لاصدقائك الكتاب العادات نفسها مثلك؟
– لا، انها مسألة شخصية خالصة. فجان جينيه، مثلاً، يعمل بشكل مختلف تماما. فهو يمضي 12 ساعة كل يوم ولمدة ستة شهور حين يكون منشغلا بانجاز شيء ما، وعندما ينتهي منه، يكون بوسعه تمضية ستة شهور اخرى لا يعمل فيها شيئاً. فكما قلت ؛ انا اعمل كل يوم ما عدا اجازة شهرين او ثلاثة اقضيها بالسفر، ولا اعمل اثناءها على الاطلاق.
اقرأ قليلا خلال السنة، وعندما اسافر آخذ معي حقيبة كبيرة مليئة بالكتب، بكتب لم املك الوقت الكافي لقراءتها. غير انني لا اشعر بالراحة عندما تستغرق الرحلة شهراً او ستة اسابيع، خاصة حين اكون منشغلة بكتابين. اشعر بالملل ان لم اعمل.
* هل تكون مخطوطاتك مكتبة باليد دائماً؟ من يطبعها لك؟ يقول نلسون الجرين بانه واحد من قلة يستطيعون قراءة خطك؟
– انا لا اعرف كيف اطبع، لكن هنالك طابعتان تعملان على تنضيد ما اكتب. عندما اعمل على الصيغة الاخيرة لأي كتاب، فاني اقوم بنسخ المخطوطة. انا شديدة الحذر، اجهد كثيراً كتابتي مقروءة بما يكفي.
* في “دم الاخرين” و”جميع الرجال مميتون” قمت بمعالجة مشكلة الزمن، هل تأثرت، بهذا الخصوص، بجيمس جويس او بفوكنر؟
– لا، كان انشغالا شخصيا. لطالما كنت قلقة بقوة بمسألة مرور الوقت. لطالما فكرت بانني عجوز. حتى عندما كنت في الثانية عشرة، فكرت بانه لشيء بغيض ان ابلغ الثلاثين. شعرت بان شيئا قد ضاع. وفي الوقت نفسه، كنت قلقة عما سوف اكسبه، كما علمتني فترات معينة في حياتي الكثير. غير اني، رغم كل شيء، لطالما انتابتني حالة مرور الوقت وبحقيقة ان الموت يواصل الاقتراب منا. بالنسبة لي، ان مشكلة الزمن متصلة بمشكلة الموت، وبالتفكير باننا وعلى نحو يتعذر اجتنابه نقترب منه اكثر فاكثر، ومتصلة برعب التلاشي. هذه هي المسألة، اكثر من كون الحقيقة القائلة بانحلال وتفسخ الاشياء، وبان الحب يذبل ويصيبه الوهن. ذلك كله مرعب ايضا، لكنني شخصيا لم اقلق به.
كانت هنالك دائما استمرارية في حياتي. عشت دائما في باريس، تقريبا في المحيط السكني نفسه. استمرت علاقتي بسارتر مدة ممتدة كثيراً.
ولدي اصدقاء قدامى ما زلت التقي بهم. لذلك لم اشعر بان الزمن يكسر الاشياء وينهيها، وانما حقيقة انني احشد كامل طاقتي دائما. اعني حقيقة ان سنين طوالا ورائي، وسنين طوالا امامي. اني اقوم بعدها.
* في الجزء الثاني من ذكرياتك، رسمت صورة لسارتر وقت كتابته لـ “الغثيان” صورته كانما هو مهجوس بما يسميها “تذمرات”، وبالكرب. بدوت؟
– في ذلك الوقت، الشخص الاكثر مرحا في علاقتك معه. ومع ذلك، تبدين في رواياتك انشغالك واستغراقك بمسألة الموت، الامر الذي لم نجده اطلاقا عند سارتر.
ولكن تذكري ما يقوله في “الكلمات”. بانه لم يشعر أبداً بقرب دنو الموت، بينما تلامذته – على سبيل المثال، نيزان، مؤلف “آدين” و”آرابيا” – كانوا مفتونين بالمسألة. شعر سارتر، بطريقة ما، انه خالد.
راهن بكل شيء اعتماداً على اعماله الادبية وعلى أمل انها سوف تنجو وتدوم، بينما، من جهتي، اخذة بالاعتبار حقيقة ان حياتي الشخصية ستختفي، فاني لست معنية على الاطلاق اذا ما كانت اعمالي ستدوم.
كنت دائمة القلق العميق باختفاء اشياء الحياة العادية، بانشطة الفرد اليومية، بمشاعر الفرد، بتجاربه الماضية. اعتقد سارتر بان الحياة يمكن ان يقبض عليها بواسطة الكلمات، بينما كنت اشعر دائما بان الكلمات ليست هي الحياة نفسها وانما اعادة انتاج لها، اعادة انتاج لشيء ميت.
* هذه هي النقطة بالضبط. يقول البعض بانك لا تمتلكين القدرة على نقل الحياة الى رواياتك. ويشيرون الى ان شخصياتك نسخت عن اناس يحيطون بك؟
– انا لا اعرف. ما هو الخيال؟ إنه، في نهاية المطاف، مسألة بلوغ درجة معينة من العمومية، من الحقيقة عما هي عليه، عن الحياة التي يعيشها الواحد فعلا. الاعمال التي لم تبن على الحقيقة لا تستأثر باهتمامي، اللهم إلا اذا كانت مفرطة في ذلك، والمثال على هذا روايات الكسندر دوماس او فيكتور هوغو، وهي ملاحم في ذاتها وبطريقة كتابتها.
لكنني لا اسمي القصص “المصنوعة” اعمال خيال، بل هي اعمال تصنيع. واذا ما اردت الدفاع عن نفسي، فباستطاعتي الاحالة على رواية تولستوي “الحرب والسلام”، فجميع شخصياتها مأخوذة من الحياة الحقيقية.
* فلنعد الى شخصياتك. كيف تختارين اسماءها؟
– لا اعتبر الامر مهما. اخترت اسم اكسافيير في “جاءت لتبقى” لأنني لم التق سوى بواحدة فقط لها هذا الاسم. حين ابحث عن الاسماء، الجأ الى دليل الهاتف او احاول تذكر اسماء طلاب سابقين.
* الى اي من شخصياتك تنجذبين اكثر؟
– لا اعرف. اعتقد بانني اقل اهتماماً بالشخصيات، إذ اولي الاهتمام الاكبر للعلاقات بينها، اهي علاقات حب ام صداقة. لقد اشار الناقد كلود روي الى هذا.
* نجد في كل واحدة من رواياتك شخصية نسائية ضللتها افكار ومفاهيم زائفة كما تعرضت للجنون؟
– عدد كبير من النساء المعاصرات كذلك. فرض على النساء ان يلعبن ما لسن عليه حقيقة، ان يلعبن، مثلا، دور المعشوقات المحظيات العظيمات، ان يقمن بتلفيق كينوناتهن الشخصية وتزييفها. النساء يقفن على شفير العصاب. اني اشعر بالشفقة على هذا النمط من النساء.
انهن يثرن انتباهي اكثر من ربة البيت المتوازنة جيداً والأم. هنالك، بالطبع، نساء يثرن انتباهي واهتمامي اكثر من الجميع، النساء الصادقات والمستقلات، النساء العاملات والمبتكرات.
* ليست هناك واحدة من شخصياتك النسائية منيعة حيال الحب. انت تحبين العنصر الرومانسي؟.
– الحب امتياز عظيم. الحب الحقيقي، الذي هو نادر، يثري حياة الرجال والنساء الذين ينخرطون فيه.
* في رواياتك، يبدو ان النساء من يدخلن في تجارب الحب اكثر – واني افكر بفرانسواز في “جاءت لتبقى” وآن في “المثقفون”؟
– بالرغم من كل شيء، فان النساء يمنحن الكثير من انفسهن في حالات الحب لأن معظمهن لا يملكن غيره ليستغرقن فيه. وربما لأنهن، ايضا، اكثر قابلية للتعاطف العميق، الذي يشكل اساس الحب. وربما، كذلك، لأنني استطيع التعبير عن نفسي بسهولة اكبر من خلال النساء وليس الرجال. شخصياتي النسائية اكثر غنى من أي شخصية ذكورية.
* انت لم تبدعي شخصية نسائية مستقلة وحرة حقاً تكون تعبيرا، بشكل او بآخر، عن طروحاتك في كتاب “الجنس الثاني”. لماذا؟
– عرضت النساء مثلما هن عليه، ككائنات انسانية منقسمة على نفسها، وليس كما ينبغي ان يكن.
* بعد روايتك الطويلة “المثقفون”، توقفت عن كتابة الروايات وبدأت العمل على ذكرياتك. اي من هذين النوعين الادبيين تفضلين؟
– احب الاثنين. انهما يوفران ضروبا مختلفة من الاشباع والخيبة. ففي كتابة ذكرياتي هنالك درجة عالية من القبول بها معززة بالحقيقة. ومن جانب آخر، حين يتبع المرء الحقيقة يوما بعد يوم، كما فعلت، فانه يلتقي باعماق معينة، بانواع معينة من المفاهيم والمعاني لا يوافق عليها.
بينما بامكان المرء في الرواية التعبير عن تلك الافاق، عن تلك النغمات المتفاوتة للحياة اليومية، غير ان هنالك عنصر اصطناع يثير القلق على نحو ما. ينبغي للواحد منا ان يبتدع بالخيال من دون ان يصطنع. كنت اريد الحديث عن طفولتي وشبابي منذ زمن طويل. كان ارتباطي بتلك الفترة يتصف بعلاقات عميقة للغاية، ولكن لم تكن ثمة اي اشارة لها في كتبي كلها. حتى انني قبل كتابتي لروايتي الالوى، كانت لدي رغبة في الحديث الصادر من القلب للقلب. كانت حاجة عاطفية جداً، وشخصية جداً. لم اكن قد اكتفيت بعد كتابة “الابنة المطيعة”، ثم ذكرت بعمل شيء آخر. لكنني لم اكن قادرة. قلت لنفسي: “لقد حاربت لأكون حرة. ماذا فعلت بحريتي هذه، بماذا خرجت منها؟”.
كتبت التكملة التي حملتني من سن الواحدة والعشرين الى الوقت الحالي، من “ريعان الحياة” الى “سلطة الظرف”.
* في اجتماع الكتاب الذي عقد قبل سنوات في فورمينتور، وصف كارلو ليبقي “ريعان الحياة” بانها “اعظم قصة حب في هذا القرن”. بدأ فيها سارتر ولأول مرة إنساناً. قمت بتقديم سارتر كشخصية لم تفهم على نحو صائب، كرجل يختلف كثيرا عن سارتر الأسطورة؟.
– فعلت ذلك متقصدة. هو لم يكن يريدني ان اكتب عنه. واخيرا، عندما رأى بانني تحدثت عنه بالطريقة التي كانت، اطلق يدي.
* في رأيك، لماذا، وبعد انقضاء عشرين سنة على ترسيخه لمكانته، بقي سارتر الكاتب المساء فهمه والمهاجم بعنف من قبل النقاد؟
– الاسباب سياسية. فسارتر رجل وقف بعنف ضد الطبقة التي ولد فيها والتي، بالتالي، رأت فيه خائنا. لكنها هي الطبقة المالكة للمال، والتي تشتري الكتب. يتصف وضع سارتر بالتناقض والمفارقة. انه كاتب معاد للبورجوازية مقروء من قبل البورجوازية ومحل اعجابها كونه احد نتاجاتها. تملك البورجوازية احتكار الثقافة وتعتقد بانها من منح الولادة لسارتر. وفي الوقت نفسه، فانها تكرهه لأنه يهاجمها.
* في حديث مع هيمنغواي نشر في “ذي باريس ريفيو” قال: “كل ما تستطيع الوثوق به، عند كاتب يتحلى بتفكير سياسي، ان عمله الذي سيبقى راسخاً فيك هو ما يجب حذف السياسة منه عند قراءتك له”. بالطبع، انت لا توافقين على هذا. اما زلت تؤمنين بـ “الالتزام”؟
– كان هيمنغواي تحديدا يمثل نموذج الكاتب الذي لم يقبل ابداً بالزام نفسه. اعرف بانه كان منخرطا في الحرب الأهلية الاسبانية، لكنه فعل ذلك كصحفي. ما كان هيمنغواي يوماً ملتزماً بعمق، ولذلك يعتقد بان ما يبقى ويدوم في الأدب هو ما ليس مرتهناً بتاريخ محدد، هو ما ليس ملتزماً. انا لا اوافق على هذا. ففي حالة عدد من الكتاب، تكون مواقفهم السياسية هي ايضا ما يدفعني لحبهم او لعدم حبهم. ليس هنالك من كتاب كثر في ازمان ماضية كانت اعمالهم ملتزمة حقا. ومع ذلك، فان الواحد منا يقرأ “العقد الاجتماعي” لروسو بالاعجاب نفسه حين قراءته لـ “اعترافاته”، بينما لا يستطيع قراءة روايته الاخيرة “لويس الجديدة”.
عن كتاب (نساء أو أكثـر)
ترجمة الياس فركوح

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s