شيخوخة الراوي: بين ذاكرة الجسد وذاكرة الروح

ريم غنايم

«بعض الذكريات غريبة عنك جدًا، بعيدة الاحتمال، خارجة عن نطاق المعقول، إلى حدّ تجد أنه من الصعب عليكَ أن تصالح بينها وبين حقيقة كونك الشخص الذي عاشها» (بول أوستر)

تنجلي روايات الأديب الأمريكيّ بول أوستر على ثيمات ما بعد حداثيّة صارخة، من اختراع العزلة إلى السيّد فيرتيجو واللوياثان وموسيقى الصّدفة وفي بلاد الأشياء الأخيرة وثلاثيّة نيويورك الشّهيرة (مدينة الزجاج، الأشباح، الغرفة الموصدة) وحماقات بروكلين ورجل في الظلام وغيرها من الروايات التي جعلت منه أحد أهمّ روائيي أمريكا في العقود الثلاثة الأخيرة.paulausterwinter

يتعامل بول أوستر منذ أن بدأ حياته الأدبيّة روائيا وبعد قطيعته مع تجربته الشّعريّة (حيث بدأ الراوي شاعرا) بفنيّة عالية ودقة في ثيماته المتكررة: كالصّدفة والقدر والنجاح والفشل والفقر والعزلة والضياع والهويّة والعدميّة إلخ. وقد تحوّلت هذه الثيمات إلى البؤرة المركزيّة التي حدّدت وجهة كتاباته الحميميّة عبر يوميّاته متعددة الوجوه.

أصدر بول أوستر إلى الآن أربعة مؤلّفات تروي أجزاء من حياته على شكل مذكّرات ويوميّات وكتابات مقطعيّة، هي «اختراع العزلة» عام 1982م، وهي أوّل كتاب نثريّ يفتتح به أوستر سيرته الروائيّة (بعد رحلته الشعريّة)، ومؤلّفه «من اليد إلى الفم» (1997م )، و «يوميّات الشتاء» (2012) و «تقرير من الدّاخل» (2013م).

على طول هذه المؤلفات الأربعة، ننفتح على تفاصيل حميميّة من حياته الشخصيّة كان بول قد وزّعها وضمّنها في رواياته، لكنّه حرص على أن يباعد بين شخصه ككاتب وبين بطل هذه الكتب؛ ليخلق أجواءً من الغربة والانتفاء بينه وبين البطل وبيننا وبينه ككاتب في نهاية المطاف. وفي كلّ من هذه المؤّلفات يسرد الكاتب ذاكرات مختلفة: ذاكرة الحيرة، ثمّ ذاكرة البلوغ والتيه، ثمّ ذاكرة الجسد، وأخيرًا ذاكرة الرّوح.

أوستر روائيّ فنّان في تأصيل العزلة وفي رسم معالم القلق الشعوريّ والوجوديّ للإنسان، ويعرف كيف يتناول ثيمات الفراغ والعبث والعدم الوجوديّ ولا يتركُ تفصيلاً إلا وأصبغه بمفاهيمه الفلسفيّة حيال الإنسان والوجود.

ولم يختر في مؤلفيه الأخيرين طريقة السرد السيرذاتي التقليديّة ليروي تفاصيله الخاصّة. ففي كتابه يوميّات الشتاء يحافظ بول أوستر كعادته على رشاقته في السّرد ويروي الأحداث بضمير المخاطب. هو- ابن الخامسة والستين- يخاطب الكائن الآخر –الأنا البعيد- المنتفي عنه، الكائن الذي يبتعد عنه أميالاً من المشاعر والسنوات. يروي لنا أكثر الأسرار حميميّةً من سنوات متفرّقة يتقدّم ويعود فيها ويقف ويختصر ويُسهب بالطّريقة التي يجدها مناسبة لهذه اليوميّات. ننجح إلى حدّ ما في التواصل مع هذه التفاصيل لكننا نفشل كثيرًا في فهم هذا الشعور بالنفور والبُعد والاغتراب الذي يخلقه هذا السّرد. هناك تفاصيل دافئة حميميّة وسرد منتفٍ وتغريبيّ منسلخ عن الحميميّة بارد تمامًا كالشتاء الّذي يصف فيه الكثير من الوحدة والانفصال عن القارىء رغم اعترافاته.

في هذا الكتاب يحاول بول أوستر أن يفهم علاقته مع ماضيه بمعايير عقلانيّة مختارًا اليوميّات قالبًا لهذه العقلانيّة الوجوديّة. تلمّس العلاقة مع الجسد وذاكرته مع الشهوة في أطوار عمره المختلفة؛ ارتحالاته في سنوات معيّنه وسكنه في باريس وبروكلين وانهيار زواجه الأوّل؛ وقوعه في حبّ إحدى فتيات الهوى، كفاحه في الطريق إلى مهنة الشّاعر، ثمّ تحوّله عن عالم الشاعر إلى عالم الرواية؛ عودته لرواية مشهد وفاة والده الذي افتتح به سيرته الروائيّة (اختراع العزلة)، ورثاؤه هذه المرّة لوالدته التي توفّيت عام 2002م.

في هذا الكتاب ننفتح على ذاكرة الجسد، ذاكرة وصفيّة ينسلخ عنها الشّعور بالحميميّة ويندمج معها في نفس الوقت، لتدخل في ديالكتيك الجسد ومفاهيمه الحسيّة. كلّ الأحداث المقطعيّة والشذريّة والقصيرة وكلّ ما عبق بذاكرة الراوي يعود لينغلق بدائريّة على هذا الجسد- المادّة:

«قبل اثنين وثلاثين عامًا، أي تماما قبل نصف عمرك، كان خبر وفاة والدك في الليلة السابقة، ليلة أخرى من ليال يناير المثلجة، تماما كهذه الليلة، الريح باردة، الجو عاصف، كل شيء شبيه، الوقتُ يتحرك ورغم ذلك لا يتحرك، كل شيء مختلف ورغم ذلك كل شيء شبيه، لم يكن لديه الحظ ليصل إلى الرابعة والسبعين. ستة وستون عامًا، ولأنك كنت دائمًا على يقين أنه سيبلغ الشيخوخة ويعتريه الشيب، لم تكن هناك ضرورة ملحّة لتبديد الضباب الذي ساد بينكما، لهذا عندما استوعبت أخيرا حقيقة موته الفجائي غير المتوقع، ظل لديك شعور بأن المسألة غير منتهية، اليأس الفارغ للكلمات التي لم تقل، للفرص التي تبددت إلى الأبد».liv_PaulAuster

بهذه الكلمات يصف الكاتب علاقته بوالده الذي مات فجأة وهو في حضن صديقته وصفٌ فيه طبقتان من الإغراب: المسافة التي تبعد الحيّ عن الميّت ولا يرتبط به إلا عبر ذاكرة ذكورية غليظة الطابع وهشّة وقديمة وباردة، ووصف آليّ يخلو من أيّ انفعالات- خبر وفاة الوالد الذي برز غيابه على حضوره في حياة أوستر الشاب. العقلانيّة في الوصف والابتعاد عن جسد الأب يؤكّدان إصرار أوستر على هذا الانسلاخ دون مصالحة.

تحضر ذاكرة الجسد التكميليّة مع وصفه لوفاة أمّه عام 2002م ووقع خبر وفاتها عليه. حتى هنا تنكشف علاقة ذاكرة الجسد الميّت مقابل الجسد الحيّ. سرد قصير وسريع يخلو من أي حميميّة إلا من كلمات قليلة موزّعة هنا وهناك:

«شيء ما ليس على ما يرام، رغم أنك لست على استعداد للاعتراف بذلك؛ لأن العام 2002م، وقد حصلت أشياء كثيرة في هذا العام، كان عام المفاجآت الصعبة […] والأسوأ من ذلك وفاة والدتك في أواسط مايو (سكتة قلبية)، الذي هزك، لا لأنك لم تكن تعرف أن أشخاصًا في السابعة والسبعين من العمر قد يموتون ويرحلون بلا إنذار، ولكن لأنها كانت تبدو في صحتها وكانت متيقظة ومرحة […] موت والدتك كان الأمر الأسوأ من بينها».

تظهر ذاكرة الجسد بشكل آخر في علاقته الآن مع جسده الحيّ البعيد وهو في سنّ الطفولة وسن الصبا وسن البلوغ. وفي كل مرحلة من هذه المراحل يستحضر الكاتب شكلاً مختلفًا من أشكال الذاكرة المنفعلة من هذا الجسد والمتفاعلة معه في ذات الآن.

في سن الخامسة يتأمل الطّفل عضوه الذكري في حوض الاستحمام فيعجبه هذا الاستكشاف الحميمي لجسده، وفي سن الصبا يحاول أن يستكشف متعة الجسد مستكشفًا الجسد الأنثوي المغاير وروعته، وفي البلوغ متعة الانغماس في هذا الجسد الأنثوي المحيّر:

«فكرة أنك تستطيع أن تضاجع أي واحدة من تلك النساء فقط إذا دفعت لها مائة فرانك (عشرين دولارا) دوخت رأسك، دوختك تماما، وعندما تسكعت في الشوارع الضيقة وبحثت عن إحداهن لتشبع رغبتك التي أخرجتك من غرفتك إلى متاهة الأجساد هذه، وجدت أنك تتأمل الوجوه وليس الأجساد».

حتى أن الكاتب لا يتردد وصف العلاقة الجسدية التي ربطته بإحدى الفتيات الباغيات (ساندرا) التي علمته فنون الجنس ليتحول هذا الحديث إلى شغف بها وأمل بالزواج منها.

يحضر الجسد بشكل بارز في يوميات الشّتاء، لكنّ هذا الشّتاء القارس البارد الحميميّ الخالي من الحميميّ في نفس الوقت، ما هو إلا تعبير صادق عن مشاعر الكاتب في هذا الكتاب.

لقد أراد أوستر أن يصوّر مشاهد لا يضع فيها روحه، بقدر ما يحضر فيها جسده أو علاقته مع الأجساد الأخرى حيّة وميّتة، وهنا تصير العين تدوينًا خارجيًا للحدث فحسب. لكن كلّما تعلّق الأمر بعلاقة جسده هو مع الأشياء بات أكثر هدوءًا وحميميّة:

«لذائذ جنسية قبل أي شيء، ولكن معها أيضًا لذّة الطعام والشراب، والتمدد عاريًا في حمام ساخن، والهرش بدلاً من الحك، والعطس وإطلاق الريح، والبقاء في السرير ساعة إضافيّة، ومواجهة أشعة الشمس بعد ظهيرة نهار معتدل في أواخر الربيع أو أوائل الصيف والشعور بالدفء يهبط على بشرتك. أمثلة لا حصر لها، ولا يمر يوم واحد من دون لحظة أو لحظات من اللذة الجسديّة، ومع ذلك يبقى الألم أكثر استمراريةً وإصرارًا».

لكن أوستر لا يكتفي بهذا الجزء من السيرة، إذ يدخل في مؤلفه تقرير من الداخل الصادر حديثًا (2013م)، زاوية أخرى، كما يبدو، من تدوين الذاكرة ويصل بهذا الكتاب إلى عمق الرّوح إلى عمق انفعالاته وتجاربه النّفسيّة في سنين مختلفة بدءا من الطّفولة. حتّى هنا نشهد كتابة مقطعيّة شذريّة ترتكز هذه المرّة على رؤية العالَم من الداخل، على الذاكرة الانفعاليّة والنّفسية بدلاً من الماديّة. يصف أوستر مشاهد مؤثّرة يبدو أثرها في نفسه جليًا للقارىء: بضمير المخاطب مرّة أخرى يتنقّل أوستر بعين الطّفل ابن السادسة المتحسس لما حوله: الطّفل الهاوي للأفلام والانبهار بهذا العالَم، الخيبة من العالَم، ثقل هويّته اليهوديّة (التي يكتشف من خلالها أنه حتّى في أكثر الأمكنة حميميّة- في بيته- لم يشعر حقًا أنّه في البيت)، أولى تجاربه مع الشّعر وهو في التاسعة من العمر. ثم ينفصل عن هذه المرحلة من الطفولة في سنّ الثانية عشرة ليدخل في عمق البحث عن أثر الصّورة (وأثر فيلمين على حياته في سنوات المراهقة: The Incredible Shrinking Man، I Was a Fugitive from a Chain Gang ).

اليأس والعزلة وغربة الذات في سعيها نحو هويّتها الأدبيّة. عالمٌ كامل من التفاصيل العاديّة يختمها الكاتب بفصل من الرّسائل التي كتبها إلى صديقته ليديا ديفيس (فيما بعد زوجته ومن ثمّ طليقته). شيء من النرجسيّة الحميميّة في هذا الكتاب رغم تفاصيله العاديّة، وعودة إلى استكشاف الذهن الطفوليّ كما يقول أوستر، لا استكشاف ذهنه الشخصيّ.

يحاول أوستر في النّهاية، على مدى عمره الأدبيّ، أن يدخل في عمق التجربة البشريّة لمعنى أن تكون إنسانًا، وقد يكون هذا الفصل عبر ضمير المخاطب، هي المسافة التي تفصله عن مرويّاته وتبعد الشخصيّ عن التجربة الكونيّة لمعنى أن تكون طفلاً وفتى وبالغًا. إنّه ببساطة يحاول أن يرسم الملامح المشتركة للإنسانية والتي يجدها القارىء الصّغير شبيهة لمشاهد عبرها هو على مدار عمره. بين متعة استكشاف الجسد ومتعة استكشاف الرّوح تقع حكايات أوستر في هذين الكتابين. صورة الفنان عبر ذاكرته- طفلاً وشابًا وبالغًا، هي موضوع هذين الكتابين اللذين ينفتح فيهما الكاتب أمام القارىء ليكشف- بإشكاليّة معيّنة- أكثر لحظاته حميميةً وأكثر حقيقيةً وإن كانت أكثرها إيلامًا وعزلةً.

يوميات الشتاء (Winter Journal)

2012

تقرير من الداخل (Report from the Interior)

2013

بول أوستر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s