وجوه محمد شكري و الأجناس الأدبية

0,,17515622_303,00كمال الرياحي

تصدير : ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي

مدخـل :
تنهض الكتابة السرديّة العربية اليوم على الكثير من مظاهر التلوين الأجناسي. وقد ظهرت هذه الأعراض خاصّة على الرّواية التي أخذت تطعّم عوالمها بعوالم الأجناس الأدبية الأخرى و”تتبّـل” لغتها وأدواتها بلغات وأدوات تعبيرية جديدة. فتراكمت في أواخر القرن العشرين نصوص روائية تبدو كأنّها تعيش حالة إشكال تصنيفي نتيجة ذلك التنافذ والتعالق الأجناسي.

ومثلما تخطّت الرّواية قوانينها وأدواتها لتستعير من الأجناس الأدبية الأخرى تقنياتها وأدواتها، استعارت هذه الأجناس من الرواية – بدورها – بعدها التخييلي ورؤيتهـا للمكان وأدواتـها في عرض الأحداث وفي رسم شخوصها وهندسة بنائها.

والسيرة الذاتية، باعتبارها أقرب الأجناس الأدبية من الرواية، كانت واحدة من هذه الأجناس التي تلبّست بلبوس الرّواية حتّى تفرّع من جنسها نوع سمّاه جـورج مـاي بـ”السيرة الذاتية الروائية”. وقد نشط هذا الجنس الخاصّ في المغرب العربي عامّة والمغرب الأقصى خاصّة. ومثّـل الكاتب محمد شكري نموذجًا من الكتّاب اللذين وضعوا حياتهم الشخصيّة على محكّ الكتابة. فكانت حياته مرجعه الإبداعي في معظم أعماله الأدبية من قصة قصيرة ورواية ومذكرات.

وخصّ سيرته الشخصيّة بثلاثة عناوين كانت “وجوه” [1] (2000) جزأها الثالث بعد “الخبز الحافي” (1982) و”زمن الأخطاء” أو “الشطار” (1992).

خضعت هذه النصوص الثلاثة إلى تعريف الفرنسي فيليب لوجون البسيط لجنس السيرة الذاتية باعتبارها “حكيا استعاديا نثريا يقوم به شخص واقعي عن وجوده الذاتي، وذلك لما يركّز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيّـتـه بصفـة خاصّـة” [2].

وقد أقدمنا على ملاحقة هذه “الوجوه” واستنطاقها لحداثة صدورها “فالخبز الحافي” قد أُشبعت نقدًا حتّى بات ما يكتب عنها اليوم لا يخلو من تكرار وإعادة لما كتب عنها في الغرب أو في الشرق، وينسحب ذلك ولو بشكل أقلّ على “زمن الأخطاء “، فاعتبرنا أن الوقوف عند هذا الجزء الثالث قد يساهم في الكشف عن وجه آخر للكاتب أو عن وجوه تطوّر التجربة الإبداعية عنده، خاصّة وأنه قد مرّ على صدور الجزء الثاني من سيرته الذاتية “الشطّار” ما يقارب العقد من الزمن. ونحن إن كنّا عزمنا على مقاربة “وجوه” نقديّا فإننـا لن نغفل النظر في الجزأين السابقين “الخبز الحافي” و”الشطّار” حتّى تكون لنا نظرة شاملة لأجزاء السيرة الذاتية باعتبارها نصّا واحدًا كتب على مراحل، بل إننا لن نتردّد في الإشارة إلى بعض النصوص الأخرى إذا ما استدعى مـنّـا الأمر ذلك لإضاءة بعض ظلال الوجوه وفكّ تجاعيدها وإنطاقها أو حملها على الاعتراف.

وسنستند في هذه المقاربة على بعض أدبيات كتابة السيرة الذاتية، وكتابة الرواية في نفس الوقت لانفتاح النص على كلا الجنسين ولأنّ “الجهد الكبير الذي يبذل لإرساء بلاغة للرواية أو إنشائية أو حتّى “خطاب قصصي” أو”علم قصّ” يفضي إلى نتائج (…) تنطبق بصفة عامة على السيرة الذاتية انطباقها على الرواية” [3].

وسنحاول قراءة هذا العمل قراءة أجناسية تسلّط الضوء على حالة “اختراق ” الرّوائي” للسير ذاتي خاصة. وعلى ظاهرة التعالق الأجناسي بشكل عام. ولأجل بلوغ هذه الغاية وضعنا هذه العناوين الكبرى لبحثنا نـروم أن تكون دليلا للقارئ وطريقا لنا :

لماذا محمد شكري ؟
الميثاق السير ذاتي / العقد الغائم
الحقيقة التائهة بين الذاكرة الخؤون والأنا الرقيب
وجوه الأمكنة في “وجــوه ”
وجوه الأزمنـة في “وجــوه ”
وجــه الكاتب بيــن الوجــوه
تراجـع اللهجـي والمتداول وتنامي الدخيل
فورة الأجناس ورسوخ السيرة الذاتية.

I- لماذا محمد شكري ؟
تمثّل أعمال محمد شكري حالة استثنائية في القصّ العربي عامة والقصّ المغربي خاصة. وربّما ارتبط هذا الاستثناء بحياة الرجل/الكاتب الاستثنائية فقد عُدّ “محمد شكري حالة وجودية وظاهرة أدبية متميّزة في حقل الأدب العربي الحديث والمعاصر، فهو يتميّز عن غيره من الكتّاب المغاربة والمشارقة على حدّ سواء بجرأته النادرة في الحديث المكشوف عن تجربته الذاتية القاسية والشاقّة والتي تمثل نموذجا صريحا عن تجربة المهمشين أمثاله من فئات المجتمع المغربي العربي” [4].

وأشدّ ما يبرّر اختيارنا له هو صلة أعماله الأدبية بحياته الشخصيّة اليوميّة فسيرته الذاتية تكاد لا تفارق كتاباته بمختلف أجناسها الأدبية. ورغم أنّ بعض نصوص السيرة الذاتية قد سبقت نصوصه من مثل “الزاوية” للتهامي الوّزانـي (صدرت 1942) و”في الطفولة” لعبد المجيد بن جلّون (صدرت 1957)… فإنّنا نكاد نجزم أنّ محمد شكري هو الذي “أَسْكَن” السيرة الذاتية – باعتبارها جنسا أدبيا – المغرب الأقصى فانتشرت ظاهرةً للكتابة السردية. وهو ما دفع أحمد المديني إلى القول: “إننا بقولنا إن المتـن الروائي المغربي قابل ليدرس إجمالا من المنظور المخصوص للكتابة الأتوبيوغرافية لم نكن ندفع بفرضيّـة من بين فرضيات بل نسجّل ما نراه، من وجهة نظرنا، تيّارا عاماً… يشهد على ذلك غالبية إنتاج السنوات الأخيرة الساعي لتلقيح الرواية برؤيـة وجماليـة تحديثيتين يتم قسم كبير منه بنوع من التنويع على الإيقاع الأوتوبيوغرافي” [5] وقد سبقه إلى هذه الرّؤية الباحث التونسي بوشوشة بن جمعة حينما اعتبر “الكتابة عن الذات في المغرب الأقصى تمثل تقليدا في الأدب المغربي الحديث والمعاصر” [6] وقد ساهم في تكريس هذا النّمط من الكتابة محمد شكري الذي حققت أعماله الأدبية نجاحا كبيرا في الغرب الذي تبنّى تجربته وأنقذها من قانون المنع والمصادرة الشّرقي. ولم تفتح دور النّشر العربية أبوابها لكتاباته إلاّ بعد أن نشرتها دور النّشر الغربية مترجمة إلى لغات قرائها.. ولعلّ قصّة الجزء الأوّل من سيرته الذاتية “الخبز الحافي” وما عاناه هذا الكتاب من مطاردة ومصادرة وترجمة أصبحت معلومة لكل قارئ عربي.

II- الميـثاق السير ذاتي: العقد الغائم

يفتتح محمد شكري عمله بما يشبه الميثاق السّيرذاتي الذي حدّده الفرنسي فيليب لوجون وهو وعد يقطعه الكاتب، منذ البداية، على نفسه يخصّ به القارئ فحواه أنّ ما سيقوله في نصّه هو سرد لحياته الشخصية وهذا الميثاق تتوجّه من خلاله القراءة وجهة محدّدة تميّزها عن قراءة الرواية ومختلف الأجناس الأدبية الأخرى “فما يميّز موقفنا عند قراءة سيرة ذاتية عن موقفنا عند قراءة رواية ليس كون الأولى حقيقيّة والثانية خيالية، وإنّما كون الأولى تظهر لنا في لبوس الحقيقة والثانية في لبوس الخيال” [7].648062C06480647063106480627064A0629064406400645062D0645062F063406430631064A0_zpsb1778ad2

وميثاق شكري في “وجوه” جاء ليعارض الدّوافع المعروفة لكتابة السيرة الذاتية فلم تكن غايته من كتابه هذا الجزء الثالث تبرير أفعاله مثلما فعل جان جاك روسو في “اعترافات” ولا كانت غايته إدانة نفسه والاعتراف بأخطائها في شبه تكفير عن الذنوب وإحساس بالندم إذ يقول: “لن أسعى في هذه التجربة إلى تبرئة نفسي أو إدانتها؛ أنا والآخرون. فبين الفرح المطلق والحزن المطلق أنا بينهما مثل دودة القزّ لن أخشى من الغد الكئيب اللّعين سواء كنت مع نفسي أو مع الشيطان” (ص7).

غير أنّ الكاتب يقدّم هذا الميثاق السّيرذاتي داخل فصل من فصول العمل السردي وعادةُ الميثاق أن يكون خارج نصّ السيرة الذاتية، مثلما فعل الكاتب في نصّه الأوّل “الخبز الحافي” حين وضع الميثاق في نصّ منفرد منفصل تحت عنوان “كلمة” رغم أنّ الطبعة الفرنسية ليس فيها هذا الميثاق. وهذا الإرباك الأوّل يفجّر الأسئلة الأولى حول المشكل الأجناسي للعمل الأدبي، خاصّة أن غلاف الكتاب لا يحسم المسألة ففي الطبعة المغربية [8] وضعت عبارة “سيرة ذاتية روائيّة، الجزء الثالث” بينما وضعت عبارة “رواية” على غلاف الطبعة اللّبنانيّة [9]. ولمّا كان الميثاق غير واضح – لوروده في نصّ أكبر وضع له عنوانا “حبّ ولعنات” وقد ورد إثر تصدير مقتطف من رواية “إسم الوردة” لأمبرطو ايكو ـ ولأنّه نظريّا يمكن للكاتب أن يتخلّى عن هذا الميثاق، وهذا التخلّي لا يخرج نص السيرة الذاتية من جنسه، بقي الحسم في جنس العمل الأدبي بعيداً.

III- الحقيقة التائهة بين الذاكرة الخؤون والأنا الرّقيب
يراجع محمد شكري في “وجوه” ما كتبه في الجزء الأول من سيرته الذاتية “الخبز الحافي ” حول تلك الذكريات التي خطّتها ذاكرته عن طفولته، فيعترف باستحالة تذكّر هذه الفترة الغائمة من حياته بكل صفائها :

“إن قرية طفولتي لم يعد لها وجود حتّى في ذاكرتي، شاشة مشوّشة، تتشبّح عليها صورتي وصور الآخرين والأشكال التي لا شكل لهـا : تلك الطفولة دمّرتها الهجرة، لا أومن بمن يدّعي أنه يعرف كل طفولته” ( ص152).

وعندما تعلن الذاكرة عن فشلها وتهفُـتُ ينهض الخيال بديلا منتجًا يؤثث ويرتّق ما تركته الذاكرة مُزّقًــا. فتندحر السيرة الذاتية بعيدًا لتظهر الرواية بكل طغيانها وقدرتها الفائقة على حكي الممكن كما لو أنّه كان بالفعل. فمهما أجهد الكاتب نفسه وكابد محاولاً تذكّر فضاءات هذه الطفولة ومشاعرها فإنّه أبدًا “يكتب طفولتـه مـن خـلال رجولتـه ونضجـه، إنّـه يحـوّم حولهـا لأن كل طفولة هي رهينة برجولتها والطفل “الطفل” لا يفهمـه إلاّ الطفـل” ( ص152).

إن اعتراف شكري باستحالة تذكّر طفولته كما كانت بالفعل، وطعنه في قدسيّة ما كتبه عنها قد سبقه إليه رائد من روّاد الكتابة الأتوبيوغرافية في الـمغـرب الأقصـى: عبد المجيد بن جلّون في سيرته الذاتية “في الطفولة” [10] فالذاكرة على الدّوام كما يعرفها جورج ماي تظلّ “مترجرجة قلّبا خؤونا” [11] غير أن الحقيقة لا تكون في كلّ الأحوال ضحيّة تعطّل الذاكرة، فسلطة الذات الكاتبة لحظة الكتابة بكل ما تحمله من وعي وقيم وثقافة هي بعيدة كل البعد عن وعي ذلك الطفل “القديم” وقيمه وثقافته. لذلك تردع الذات الكاتبة الرّاهنة ذات الطفل الغائبة فتُظهر ما تسمح بإظهاره منها وتواري مالا تستلذّ فضحه. خاصّة تلك الجوانب التي تسيء لحاضرها الكهل. ومن ثمّ فضبابية صورة الطفولة عند شكري وعند كل كـتّـاب السيرة الذاتية قد ترجع ـ زيادة على قصور الذاكرة ـ إلى سطوة الأنا الأعلى” المتمثل في “الذات الراهنة” ذات الكهل. ويمكن أن ينسحب هذا التفسير على كلّ ما تدّعي الذاكرة أنها عجزت عن إتيانه وإدراكه، فينشط الخيال لتنزاح السيرة الذاتية إلى أجناس أخرى مجاورة لعلّ الرّواية أقْربُها.

ولما كانت “السيرة الذاتية معرّضة على الدوام للانحراف بسبب ما تمليه ظروف الكاتب زمن الكتابة” [12] أصبح كل ما حدّثنا عنه محمد شكري على أنّه حقيقة موضع شكّ. وهو باعترافه بقصور ذاكرته عن تذكّر حتّى المكان الذي عاش فيه يكون قد طعن السيرة الذاتية في مقتل لتتحلّل في فسحة الخطاب الروائي وتجـري أحـداثهـا في مسارب السرد التخييلي وتنأى عن حديث الحقيقة. و هذا الزيف الذي يضرب السيرة الذاتية والذي يدركه القارئ وهو يواجه “وجوه” يطلّ علينا متسائلا عن حقيقة العلاقة التي تربط “شكري” بـ”فاطي” الساقية، وحقيقة تلك الإشاعة التي روّجتها عنه: “أشاعت عنّـي “فاطي” الودود، الكريمة، لأسباب سأظلّ أجهلها حتى مماتي، بأنّي أبوها المغرم بها ذو النزعة السّفاحية، وحين استنكرت هي وتشبثت أنا بها هدّدتني بالبلاغ عنّي إلى السلطات، هربت لاجئا إلى مستشفى الأمراض العصبية في تطوان لأحمي نفسي مدّعيا الجنون ومنعًا لتفاقم الفضيحة وحفظا لكرامة أسرتها العزيزة التي ورثتها من للاّ شفيقة”. ( ص98)

هل فعلا “ظلّ ” شكري لا يعلم السبب الذي دفع فاطي لخلق تلك الإشاعة؟ هل هذه الإشاعة كافية ليدخل إنسان بقدميه وباختياره مستشفى الأمراض العصبية ليعيش بين المعتوهين والـمجـانيـن؟

لماذا اكتفى شكري بوصف جسد “فاطي” العاري ليلة نامت عنده فيقفز من الوصف إلى الصباح متحدّثا عن غثيانه؟ هل كان غثيانه من الشراب الذي شربه ليلا أم هو ناتج عن أمر رام تركه مغيّبا؟

لماذا لا يكون الخبر الذي نقله لنا شكري على أنّه إشـاعـة هو الحقيقة؟ ألم يعش شكري حياة ماجنة عاشر فيها اللاّئطيـن والمومسات منذ طفولته حتّى شيخوخته؟ ألم يحدثـنـا في “الخبز الحافي” عن مغامراته في دور البغاء المغربية والإسبانية؟ ألم ينقل لنا في “السوق الداخلي” مغامراته مع المخنّثين؟! لماذا يرغمنا على أن نكذّب معه الخبر ونعتبره إشاعـة. ونسلّم بأنّ الحقيقة هي تلك العلاقة الملائكية مع فاطي؟! ألم يـعـترف في آخـر خبزه الحافي بأنّه ليس ملاكا؟ “لقد فاتني أن أكون ملاكا” [13] ولمّا كانت الإشاعة قد حدثت وتناقلتها شوارع طنجة مثلما كان دخول الكاتب مستشفى الأمراض العصبية بتطوان حقيقة. لماذا لا تكون هذه الإشاعة هي الحقيقة؟ ألا يكون طـرحه هـذا الخـبـر في سيرته الذاتية محاولة من الكاتب تبرئة نفسه[نورد هذه الأسئلة لا بغاية إدانة الكاتب بل لإدانة الحقيقة في السيرة الذاتية جنسا أدبيّا، مثله مثل الرواية، الكذب مادّتـه الأولى.]]؟ لكـن ألم يَعِـدْ في بدايـة السيـرة الذاتيـة بأنّه لا ينوي تبرئـة نفسـه ولا الآخرين؟!!!

إنّ “الحقيقة في السيرة الذاتية هي على الأرجح قضية زائفة، إذ أنّ السيرة الذاتية من حيث هي سيرة ذاتية، مجافية للحقيقة. وأوّل أسباب ذلك أن كاتب السيرة الذاتية لا يستطيع مهما فعل أن يتخلّص من الحاضر الذي يكتب فيه ليلتحم بالماضي الذي يرويه” [14].

وعدم الاعتراف في “وجوه” قد يكون مبرّرا من خلال ما وضعه الكاتب في بداية كتابه بأنّه لا ينوي أن يدين نفسه ويضيف في الفصل الأخير من الكتاب أن “الصّراحة الزائدة حمق يقود إلى التهوّر” (ص156).

ولمّا كان محمد شكري لا يقوى على الإفصاح بما يعرفه عن “الأشخاص” و”الأشياء” خوفًا من خلق “عدوّ لا يعرف متى يثأر منه فإنّه لا ريب يخفي من سيرته الكثير ممّا يخصّ الآخر ويخصّ ذاته. ورغم ما توهم به سيرته الذاتية في أجزائها الثلاثة من فضح للذات وتعرية لها فإن نسبيّة قول الحقيقة تجعل صورة المسكوت عنه في ذهن القارئ أكثر فظاعة وخطورة مما قيل وقد فسّر ذلك الكاتب بالخوف من القتل. هذا الخوف الذي دفعه إلى إغراق حقائق حياته وحياة غيره في الصمت. ألـم يعترف في حوار مطوّل أجرته معه جريدة القدس العربي” أن جماعات إرهابية مجهولة ما تنفكّ تهدّده وتتوعّده بالتصفية: “هناك تهديدات عنيفة وصلت أحيانا إلى محاولة الاعتداء البدني. إنها تهديدات يتزعّمها غالبـا من يدّعون أنّهم يحمون الأخلاق ويدافعون عن الدِّين وهم يفسقون في الخمّارات والشوارع المريبة. كثيرا ما قيل لي : “ذات يوم ستعرف من أنا”. هيّئ نفسك”، سيأتي دورك” هؤلاء لا أعرف هويّاتهم، أتحاشاهم والصراع معهم غير مجدٍ في شيء” [15].

ومن ثمّ تكون حقيقة من حقائق الواقع الموسوم بالقمع والإسكات هي التي قد تكون حكمت على بقية الحقائق بالبقاء في العتمة، وعلى السيرة الذاتية بالانزياح نحو الإبداعي، فينفلت بين اللحظة والأخرى جنس السيرة الذاتية من جنسه الخطير – باعتباره جنسا اعترافيّا – “لينفتح على جنس الرّواية المـحصّن بآليـة التخيّل. وهل يحاكم المرء على التخيّل [16]؟ ومن الذي سلم من شيطان الخيال؟ ولكن هل المتخيّل غير الحقيقة؟

IV- وجوه الأمكنة في “وجوه” [17]

لئن شغل المكان موضعًا هامًا في الرواية، والرواية المعاصرة تحديدا، فقد يُغني حضوره المدروس القارئ عن البحث عن بطولة بشريّة أو أسطوريّة فإنّ هذه الأهميّة للمكان تتضاعف في السيرة الذاتية، لأن هذا المكان “اللّغوي” في العمل الأدبي له مقابل في الواقع، وليس فضاءً متخيّلا ابتدعه الكاتب. غير أن ارتباط مكان السيرة الذاتية بالمرجع – المكان الواقعي – لا يفقده بعده الإيحائي والسحري لأن كاتب السيرة باعتباره بطلا لسيرته الذاتية، تنـعكس حالاته النفسيّة على محيطه في العمل الروائي فتتلبّس الأمكنة بألوان النفس وهمومهـا.

ولعلّ ما يجعل من حديث الأمكنة في “وجوه” حديثا مخصوصًا هو تلك العلاقة التي يربطها شكري بالمكان معيشا يـوميا وجماليّةً في الكتابة السردية: “لي ارتباط كبير جدّا بالمكان. أنا أقدّر ما يسمّى بجمالية المكان في القصة أو الرواية رغم أنّه مذهب كلاسيكي واقعي ولكنّي مرتبط جدّا بالأماكن، وأحيانا لا أعرف كيف أكتب حتى أكون جالسا في مكان معيّـن” [18].

هذا المكان الذي يقصده شكري هو طنجة التي استقرّ بها وأقام منذ طفولته ـ سن السابعة ـ حتّى تحوّل إلى معْلمٍ من معالمها وبناءٍ من بناءاتها ومزارٍ من مزاراتها.

1- وجـه طنجــة الجديد

طنجة، هذه المدينة “العجائبية” العنكبوتيّة، هذا المكان الذي يحلم بالإقامة فيه الكثير من أبناء الريف المغربي، هذه المدينة التي زراها كبار أهل الأدب والرسم والموسيقى في العالم… سرق وجهَهَا الدولي الاستقلالُ بعد أن ألغى عادة الجواز [19] فتهاطلت عليها أسراب النازحين ودخلوها عابثيـن بقوانينها وتاريخها وقدسيّة أسطورتها. وقد بدأ شكري يشعر بتشوّه المدينة وتمسّخها منذ كتابه “زمن الأخطاء” (الجزء الثاني من السيرة الذاتية) وتجسّد أكثر في روايته “السوق الداخلي” لمّا نعتها بالبغاء [20].

يخلق محمد شكري علاقة استثنائية بينه والأمكنـة ضاربًا بها النظريّة والعادة فأماكن الإقامة تتحوّل معه إلى أماكن عبور وانتقال وأماكن الانتقال تنقلب أماكن للإقامة مثلما تتحوّل الأماكن الاختياريّة إلى أماكن إجباريّة.

ينقلب البيت الشخصي في “وجوه”، خلافا لوجهه في الروايـات عـادة، معبّـرا عن “قيم الألفة” [21] التي تعيشها الشخصية مع نفسها والأشياء المحيطة بها، ومعبّرا عن فسحة الخيال والحريّة والحلم، ينقلب إلى سجن يُعتقـل فـيه شكـري ليـلاً هـروبًـا من سكاكين اللصوص والمجرمين. بيت/غرفة، اختارهـا الكاتـب فـوق الـسـطـح بعـيـدا عن الضجيج والأحداث والمضايقات فإذ بها تنقلب زنزانة عذاب ينقله لنا شكري – نحـن القـرّاء – في أبشع صوره حين يصف قسوة ما يفعله به تساقط قطرات المطر: “أسمعها تبقبق أو كما لو أنّه الطائر النجّار ينقر هامـتي صانعًـا عشّـه، كمـا لـو أنّ دبّـوسًـا ينغـرز في جنبي، في جفني، كل صفعاته أطيقها على وجهي في الشارع أو في الغابة إلاّ قطرة واحدة تخرق الآن سمعي برتابة تجنّن. لكأنّه تعذيب صيني حقيقي” (ص24). هذا العذاب سببه اختيار بطعم الكارثة تذوّقه شكري لمّا اكتشف أن “مزايا السكن على السطح تسقط في الهوّة” (ص24) فانقلبت حياته أرقاً دائمًا لم تنجح المُسكرات في تسكين أوجاعه ولا نجحت في تنويمه. في هذا المكان الشبيه بالسجن يعيش الكاتب وحيدًا رافضا أن يشاركه الإقامة فيه أحد، فحتّى صديقه “فريد” الذي طلب الإقامة معه أجابه: “إذا كنت تريد أن نبقى صديقين فتش لنفسك عن مسكن غير مسكني” (ص121) فتتحوّل الغرفة / الزنزانة سجنا انفراديّا وغرفة شكري اللّيليّة لا نكاد نعرف عن تفاصيلها شيئا غير وجودها على السطح، فلا ندري إن كان فيها نوافـذ، أو أثـاث، أو كتب أو مكتب، أو دورة مياه… وهذا التغييب لملامحها وطابعها الطوبغرافي… دليل عزوف الكاتب عنها فلا مكان لها في قلبه ولا في ذاكرته، ولا وظيفة لها سوى وظيفة المحطة الإجبارية لانتظار رحلة النهار، الذي يستقبله بالتقيء. قد نفسّر هذه العزلة التي يضربها شكري حوله بالشعور بالغربة بعد رحيل أصدقائه جان جينيه، يول بولز، وغيرهما.

هذا حال البيت الشخصي، نموذجاً لأماكن الإقامة التي فقدت وظيفتها، أمّا أماكن الانتقال التي عادة ما ارتبطت بالحريّة والانطلاق – فالحريّة “في أكثر صورها بدائية هي حريّة الحركة” – [22] تحوّلت مع شكري إلى أماكن للاستقرار، فحضوره متأرجح بين المقاهي ودور الدعارة وبين الحانات والشوارع. غـيـر أنّ هـذا الاستقـرار يظهـر لـنـا في سيرته الذاتية بطعم الإدمان أكثر منه اختيار. والإدمان يصبح إجبـارًا وقسرا وسجنًا يأسر النفس والجسد، كذلك شكري لا يقوى على فراقها فقد “أصبحت (طنجة) توحي بالانتحار لمن لا يستطيع مغادرتها، لقد ضاع فيهـا كـل مـا هـو أسطـوري جميل”( ص.ص 108-109) واكتسحها الهوان والانهيار، هكذا نقل لنا شكري هذا التحوّل لتتحوّل سيرته الذاتية” وجوه إلى وثيقة تاريخية تنقـل واقع طنجة وتاريخ انهيارها مدينة دولية ونكبتها مدينة سياحيّة ابتداءً من حرب 67 إلى حرب الخليج. وهذه الوظيفة التوثيقيّة هي التي تنمّي عند القارئ ذلك الفضول “الذي يحدثه كاتب السيرة الذاتية حينما يكتب، لا بوصفه شاهدا على نفسه، بل بوصفه شاهدا على ما يحيط به.

ذلك أنه وإن كان لا يقصد البتة أن يكتب وثيقة تاريخية، فإنه لا مناص له من أن يخضع لتأثير بيئته وأن يتأثّر بها فيما يكتب” [23] فيؤرّخ لطبقته الإجماعيّة ولعاداتها الغذائية والسلوكية وينقل واقع حيّـه المعماري وخصوصيته الثقافية. وقد كان محمد شكري واعيا بهذه الوظيفة الخطيرة للسيرة الذاتية منذ كتابته “الخبز الحافي” حين تحدّث عن مفهومه للسيرة الذاتية الشطّـارية: “إن ما كتبته في هذه السيرة أعتبره وثيقة اجتماعيّة، ليس أدبا، عن مرحلة معيّنة آثارها السيئة مازالت تنخـز مجتمعنا” [24].

هذا التحوّل الذي شهدته طنجة بشوارعها وأسواقها وحاناتها ومقاهيها صاحبه تحوّل في مشاعر الكاتب . فــ”السوق الداخلي “Zoco chico، لـم يَعُدْ يعني (له) غير القرف والبؤس المزري” (ص28) فقد تحوّل مرتعًا للمشبوهين واللصوص والمدمنين والغرباء، فانقلبت متعته التي كان يجدها في التنقّل بين حوانيت السوق ودوره إلى إحساس بالخوف والرّعب والغربة. لم يكن يشعر بهذه الأحاسيس لمّا كانت طنجة تحت الحماية الفرنسية والاستعمار الإسباني لأنّ الهجرة إليها كانت منظّمة أمّا وضعها الجديد فقد حوّلها وحوّل سوقها الداخلي إلى حانة غريبة مرعبة يصفها شكري من خلال وجوه مرتاديها: “أكاد أرى الجريمة ماثلة في عين كل من أراه الآن جالسا أو واقفا يتربّص، المكر أراه وأشمّه، إنّه الرعب بعينه في وجه كل من يجوس الساحة، العدوانيّة المجانية متحفّزة في كل الوجوه الممسوخة. من أين جاء كل هؤلاء الذين يبدو على وجوههم أنّهم خرجوا حديثا من السجن مستعدّون أن يعودوا إليه؟!… انه غزو تتري” (ص28) هذا الغزو جعل من أماكن الانتقال – التي غـيّـر شكري وظيفتها لتصبح أماكن إقامة – أماكن غير آمنة لا تشعره إلاّ بالقرف فأصبح يستقبل صباحه فيها بالتقيء والغثيان. فالمدينة الأسطورية (طنجة) تبدو له “كأنّها جثّة لم تدفن جيّداً” (ص29).

في هذا الفضاء المفرغ من محتواه ومن تاريخه والمشحون بالفقدان والجريمة تنشط مشاعر الإحباط والغربة، غربة تذكيها هجرة مخصوصة هي هجـرة الـذات إلـى باطـنهـا في حركة ارتدادية انطوائية ترسم وجه العزلة الشكرية – نسبة إلى شكري -: نفس مكبّلة في جسد هزيل فوق السطح تنتظر الإفراج عنها لتطير إلى مهدها القديم. عزلة قد تبلغ بالذات غاية العقل أو قرار الجنون [25].

2- أمكنة السّفر

نادراً ما يحملنا محمد شكري إلى أماكن أخرى غير طنجة في هذا الجزء الثالث من السيرة الذاتية، فلا نكاد نعثر في متنها على أمكنة أخرى فاعلـة، فحتّى زيارته إلى الناظور – مسقط رأسه – سنة 1993 بعد أن مضى على هجرته منها أكثر من خمسين سنة، لم يحرّكها حنين، بل كانت وليدة دعوة من جمعية ثقافية (جمعية الماس)، ولم تحرّك فيه هذه الصدفة التي قادته إلى منبته غير فضول بحث عن الأصول شبيه بلعبة مجانية لا حنين فيها ولا متعـة و”أي حنين إذا لم تكن هناك ذكرى حميمة نحـو مكان ما” (ص 52). فقـريتـه التي هرب من طاعونها وفقرها تعترضه بنفس الوجه القاتم “قرية شبـه مهجورة” يعشّـش فيها البؤس، فتهرب ذكرياتها من ذاكرته ليجتاحها النسيان المريع.

مثلت مقابر المشاهير بفرنسا أهمّ الأمكنة التي قاده السفر إليها فتتبّع قبورها قبرًا قبرًا، مستعرضا ثقافته ومعرفته بأعلام الأدب والموسيقى والصحافة والرسـم فـي الغرب. ولا يمكن أن نغْفـل على ما بين شكري والمقابر من تاريخ حميمي فمنها كان يلتقط طعامه في طفولته بقريتـه الفقيرة وهي التي احتضنت أخاه الصغير الذي أزهق روحه والده القاسي، هي الأمكنة التي كان يكتب فيها قصصه وفيها كتب خبزه الحافي. وهاهو العشق القديم لمدن الأموات يتدفّق من جديد في “وجـوه” فيطارد المؤلف / البطـل وجـوه الـمـكان في فرنسا. ربّمـا هو هاجس الموت الذي أخذ يطرق ذهن شكري وهو يستقبل عقده السادس “وما أكثر السير الذاتية التي تبدو كأنّها محاولات يائسة للانتصار على الزمان والموت” [26].

V- وجـوه الأزمنة في “وجوه ”

يتّخذ الزمن في “وجوه” نسقًا مشوّشا لا يخضع لترتيب طبيعي، فحكاية الأحداث تخرق نظامها الزّمني الذي حدثت فيه في الواقع، فيأتي الخبر اللاّحق قبل الخبر السّابق. وهذا التّشويش يبرّره جورج ماي، “فحين يأخـذ كاتـب السـيـرة الذاتـيـة في الكتابة تتداعى الذّكريات في ذهنه تداعيا لا يتقيّد بأي ترتيب زمني فإن هو دوّن تلك الذكريات على علاّتها حرّف الترتيب الذي جرت عليه في الواقع” [27].

واستناداً إلى هذا التصوّر يكون التشويش الزمني في السيرة الذاتية سببه التشويش الذي يحدُث للذاكرة زمن الكتابة فهي تبدو أمّارة بالنسيان ساعة وبالتذكّر أخرى، فتزدحم عليها أحداث الماضي القريب مع أحداث الماضي البعيد، لينفلت الترتيب ويتشوّش صفُّ الذكريات. وإن كان هذا يحدث في كتابة الرواية وخاصّة منها الرواية المعاصرة الجامحة نحو التجريب والاختلاف فإن ذلك يحدث عن وعي من الكاتب الذي يقدّم ويؤخّر الأحداث عن سابق نيّة. فهو قد يكتب روايته خاضعة أحداثها لترتيبها الزمني العادي ثم يَعْـمَـدُ بعد ذلك إلى بعثرة فصولها بشكل مدروس باحثا عن التشويق والتجريب أو ما يطلق عليه بلعبة التخفّي والتجلّي” بينه وبين القارئ. أمّا كاتب السيرة الذاتية مثلما هو الحال مع محمد شكري في “وجوه” فإن ذاكرته تنتج زخـما من الأحداث المبعثرة زمن الكتابة ومحاولة ترتيبها الزمني يعرّضها إلى التشويه أو السقوط في نمط السيرة الذاتية التقليدية. فيخيّر الكاتب أن تخون الأحداث زمنيّتها على ألاّ تخون الذاكرة نفسها. وهذا التداخل الزمني يجرف السيرة الذاتية نحو شواطئ الرواية وتقنياتها. فتلتبس صورة النوع وتتعانق الأجناس، لأن هذا التشويش في الزمن يظهر للقارئ بمظهر الفعل الواعي والصنعة الأدبية.

و ما يقرّب “وجوه” – باعتبارها سيرة ذاتيّة – من جنس الرّواية وما يفسّر هذا التشويش الزمني في الآن ذاته هو اعتماد الكاتب على تقنية خاصّة لسرد سيرته، فيعمدُ إلى تقسيمها، مثلما يبوح به العنوان إلى وجوه تحمل أحداثا وهذه الوجوه التي عرفها في أزمنة مختلفة ومتباعدة، تزدحم على ذاكرته خاضعة لمبدأ الانتقاء و ومن ثمّ تكون عملية التقديم والتأخير عملية واعية وعقليّة تحرّكها نوايا الكاتب .

ويقدم محمد شكري ـ خلافًا لطريقة سرده الأحداث في الجزء الأوّل من سيرته الذاتية “الخبز الحافي” التي اعتمد فيها خطّا زمنيا منظّمًا (1942  1956)ـ. عملا أكثر وعيا فنّيا – ربّما بدأه مع “الشطّار” (الجزء الثاني من سيرته الذاتية) – وهذا يرجع إلى ذات الكاتب وتطوّر ثقافته الأدبية التي خرجت من عفويتها وأميتها نحو البناء والتأسيس لذات مبدعة مركبّة، فارتكب شكري كتابة السيرة الذاتية كما يرتكب الروائي عملا روائيا، رافعا مبدأ خيانة الواقع مع الخيال – وهذا ما تشترك فيه السيرة الذاتية الروائية مع الرواية مقارنة مع التأريخ أو السيرة الذاتية الصافية – وإن كنّا لا نؤمن بصفاء الجنس -.

وقد استفاد شكري في كتابته لسيرته الذاتية بهذا الشكل من حقيقة الذاكرة “(الـ)قلب (الـ)خؤون” [28] فهي تارة لا تقوى على التذكّر مثلما حصل لها مع الكاتب عند زيارته للنّاظور – مسقط رأسه – سنة 1993، وهي تارة حيّـة متيقظـة تُذكّرها تفاصيل الحياة اليومية بماضيها البعيد مثلما كان الأمر مع أكلة الكسكس التي عادت بشكري إلى ذكريات الطفولة: “الكسكس: هو الأكلة التي لا أحبّها. لقد أكلته بالكرشة يوم مات خالي وعمري سبع سنوات فعفته ونادرًا ما أستسيغه، كان ذلك أيام المجاعة في الريف” (ص16).

ونحن لا نعثر كثيرا على وجه شكري صافيا، إنّما تعترضنا ملامحه غائمة في وجوه الآخرين الذين يحفل بهم كتابه، فحديثه عنهم أكثر من حديثه عن نفسه، غير أنّ معرفته الدقيقة بهم تكشف لنا أنه كان يلازمهم ويجالسهم أو يراقبهم من مكان قريب. وتبعا لذلك يكون محمد شكري قد قدّم لنا وجهه مبعثرا في وجوه الآخرين. وزمنه مفتّتـا ومنجّـمًا في أزمنــة الآخرين.

ولمّا كانت الوجوه تتداخل في أسواق وحانات “طنجة” فيسبق اللاّحق المستعجلُ السابق المترنّح أو المخمور فيتبعثر ترتيب الصورة، كذلك يتبعثر الزمن في السيرة الذاتية. ولأنّ المكان قد أصابه ما أصابه من تشويه، كنّا تعرّضنا له في أسئلة المكان، وسكنه ما سكنه من المشوّهين والمشبوهين أصحاب الوجوه المتحفّزة بسكاكينها وأصحاب الأجساد المهترئة… أصاب ذات الداء الزّمن فشوّهه وبعثره. وهذا الانعكاس لتشوّش المكان على نظام الزمان لا يمكن أن يكون إلاّ من أعراض الفنّ الروائي “فنظام الزمن الحاكي (زمن الخطاب) لا يمكن أبدًا أن يكون موازيا تمامًا لنظام الزمن المحكّي (زمن التخيّل).

وثمّة بالضرورة تدخّلات في “القبـْل” و”البعْـد”. ومرّد هذه التدخلات والاختلاف بين الزمنيّتين من حيث طبيعتهما. فزمنية الخطاب أحاديّة البعد وزمنية التخيّل متعدّدة. واستحالة التوازي تؤدّي إلى الخلط الزمني [29] هذا الخلط ينسحب على عوالم السيرة الذاتية الروائية فيختلط الواقعي بالخيالي والكائن بالممكن فنكون مرّة أخرى أمام شكل آخر من الصدق هو الصدق الفنّي [30] “الناتج عن رغبة في التخفّي أو عن قصور في التذكر، فـ”المرء ليطالع ماضي حياته مثلما يطالع كتابا قد مُزّقت بعض صفحاته وأُتلف منها الكثير” [31] ولمّا كانت “وجوه” سيرة ذاتية “مروّاة” فقد مثلت صورة مجازيّـة لواقع السيرة الذاتية الحقيقية التي حدثت. وهي وثيقة مجازيّـة لواقع مثلها مثل ما نقله الرحّالة العرب قديمًا عن الهند وبلاد السند… حين يختلط في مدوّناتهم الواقعي بالمتـخيّـل الذي قد يصل حدّ العجيب.

وصفوة القول إنّ الترتيب الزمني المشوّش لتاريخيّـة حدوث الأحداث في “وجوه” يُقربّـهـا من جنس الرواية دون أن يخرجها هذا من جنسها لأنّ هذا القناع يرتديه الجنسـان: السيرة الذاتية والرواية. وقد تشاركهما فيه أجناس أخرى من مثل القصّـة القصيرة… ولعلّ الاختلاف الوحيد بينها كامن في أسباب توظيف هذا التشويش، هل هو اختيار أم ضرورة. وهذا الاختلاف نفسه ليس قطعيّا ففي السيرة الذاتية الروائية – كما هو الحال مع “وجوه” – ينزع الكاتب إلى مثل هذا القناع عن اختيار تكون دوافعه فنيّة، مثله مثل دوافع التشويش الزمني في الرواية. والسيرة الذاتيّة كمـا يقدّمها جورج ماي “تمارس مع هذه الأجناس سياسة استعماريّة بيّنـة (وهي لم تقتصر) على الاستيلاء على طرائقها، بل سعت دائما إلى جعلها مندمجة فيها.” [32]

VI- وجه الكاتب بين “الوجـوه ”

لئن سلّمنا بأنّ “وجوه” تنتمي إلى جنس السيرة الذاتية بشهادة كاتبها ومتنها فإنّ هذا التسليم لن يحول بيننا وبين إدراك خصوصية هذا الجنس الأدبي وما يحمله من مرونة تجعله يرمي بفروعه إلى أجناس أخرى مما يجعـل مصطلح سيرة ذاتية مصطلحا غائما لا يمكن أن يحسم أمر كل النصوص التي تكتب بآليـات الكتابـة الأوتوبيوغرافية لأنها ليست كلها سيرا ذاتية صافية. وهو ما جعل جورج ماي يفصّل في سلّم الألوان الواصلـة بين الرواية والسيرة الذاتية هذه العلاقة وانطلاقا من سلم الألوان هذا نصنّف “وجوه” محمد شكري في الرقعة الخامسة ذات اللون الأصفر، سيرة ذاتية روائية “وهي خلافا للرواية السير ذاتية لا تنتسب إلى الرواية، وإنّما تنتسب إلى السيرة الذاتية وإن شابها لا محالة قسط من الخيال كبير” [33] واستناداً إلى هذا التصنيف سنحاول تجميع صورة الكاتب في سيرته المروية.

1- شكري : الإسم

لا نكاد نعثر في “وجوه” على إسم محمّـد شكري كاملا أو صريحـا إلاّ على الغلاف فهو لا يكشف عن إسمه داخل المتن إلاّ مجازا كأنه يتخلّص من ذلك الاعتراف فينزع إلى تغييبـه حتّى لا يكون عائقــا أمام إمكان التخييـل الذي تسمح به ثنائيـة النصّ بانتمائـه إلى جنسين أدبيين في الوقت نفسه (سيرة ذاتية + رواية). والمرّة الوحيدة التي يذكر فيها الكاتب إسمه اتخذت شكل الإيحاء، فيقول متحدثا عن شخصيّة أخرى “أوقفني شكري الآخر الذي يراقبني في مثل هذه الحالات: أجئت للمشاكسة أم جئت لإحياء الصداقة؟” (ص103) وكلمة “الآخر” هي التي تحيل القارئ على إسم الكاتب. وأحسب أنّه لم يلجأ إلى مثل هذه الإحالة إلاّ ليقينا – نحن القرّاء – من الالتباس، وحتّى لا نذهب إلى أنّ شكري الذي يقصده هو هو فنخرج عندها من جنس السيرة الذاتية لأن السارد غير الكاتب. ولئن ذهب حسن بحراوي إلى أن ظاهرة التستّر على الإسم “تنتشر” أكثر ما تنتشر في النصوص ذات الطابع الاطوبيوغرافي حيث نجد طائفة من التنويعات تفيد هذا المعنى منها التحرّج من ذكر الإسـم الشخصي داخل السرد” [34] فإنّنا نحسب أن غاية شكري من هذا التستّر غير ذلك الحرج لأنّنا لم نعرفه خجولا بقدر ما عرفناه مغرمـًـا بفضح ذاته، لكن هذا التستّر قد نرجعه إلى دافع فنّي، فهو إمّا اعتمده حتّى يـؤصّل السيرة أكثر في أسلوبها التخييلـي الروائي، وإمّـا أنّه رأى ألاّ حاجة للكشف عن الإسم ما دامت السيرة الذاتية مكتوبـة بضمير المتكلّـم وفيها قرائن كثيرة دالـة على تطابـق شخصيـّة المؤلف مع شخصيّـة الراوي.

2- شكـري: الكـاتب

إن صفة الكاتب أعلقَ الصّفات بمؤلف السيرة الذاتية، فالروائي ليس معنيّا بالحديث عن الكتابة لأنّ شخصياته قد تكون بعيدة عن هذه العوالـم إلاّ أن كاتب السيرة الذاتية لا يمكن أن يغفلها، لأنّه بطل عمله السردي. فهو المؤلف وهو الذات الرّاوية والذات المروية في ذات الوقت ولما كانت الكتابة أعلق الأنشطة به كان لزامًا عليه التطرّق لها بين الحين والآخر وإلاّ أصبحت سيرته غريبة عنه قبل أن تكون غريبة عن القارئ.

“وجــوه” محمد شكري حملت لنا وجه الرّاوي الكاتب عندما نقلت لنا معاناة الخلق الإبداعي، فبين الكاتب والكتابة شيطـان جمـوح مثـل شياطين الشعـر، لا يستسلم لرغبة شكري بسهولة: “كيف أتصالح مع شيطان الكتابة؟ الصّعب عندي قد يكون في اختيار عنوان مناسب حين انتهائي من نـص…” (ص46) وقد يطول انتظار الكاتب لـرضاء هـذا الشيطـان وعفوه فلا تنفعه إرادة الخلق ما دامت “الكتابة تتمنّع بقساوة وتستعصي” (ص45) ويزداد اتساع جروح الكاتب النفسيّـة عندما يُقابل القرّاء هذه المعاناة التي كابدها حتى يخرج عمله الإبداعي باللّعنـات، فتتعادل عندهم صورة الكاتب والمومس: يردّ شكري/الراوي على صديقته فاطي العاهرة في غيابها وحضورها” (ص9) وقد جاءته شاكية المضايقات “اللعنات موجودة في كلّ عمل. حتّى تأليف الكتب لا يسلم من اللعنات والمنع والاعتداء إلى حدّ المطاردة والسجن والقتل ربّمـا تلقيت من الشتائم أكثر مما عانيت منه أنت. لقد بصق علي بعضهم في الشوارع والحانات، في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وفي كل مكان لأني كاتب ملعون” (ص104).

هذا الوجه الحزين وهذه الأحاسيس المهينة ليست وحدها وجه الكاتب ومشاعره، إنّما هي طعم الحياة المرّ أمّا طعمها الآخر فيجسّده الوجه السعيد للكاتب حينما تستدعيه الجمعيات الثقافية ليقرأ نصوصه على جمهور الشباب في حميميّة ذلك اللقاء الذي جمع في الناظور شكري بجمهور الشباب عندما قرأ على مسامعهم الفصل الأوّل من “الخبز الحافي”.

كما تقدّم لنا “وجوه” وجه الكاتب المغرم بإبداعه والمتفرّغ للقراءة والكتابة بعد أن طلّق الوظيف: “الكتب والكتابة هما المنبعـان اللذان لا ينضبان منذ انبثاقهما في حياتي. إنّهما يقهران الزمن العادي لخلق زمن تعميق الإبـداع” (ص154).

كما أننا نعثر في متن السيرة الذاتية “الشكرية” على بعض تفاصيل الوجه الكاتب للرّاوي من خلال علاقاته بأهل الأدب فيحدّثنا عن صحبته للروائي محمد زفزاف ولقاءاته بإلياس الخوري وحنان الشيخ وإميل حبيبي ولا ينسى أن ينقل لنا “خصومته الشهيرة مع الشاعر محمود درويش وذكرياته مع جان جنيه.

و”وجوه”، عموما، من الأعمال الأدبية التي لا تستسلم بسهولة للقارئ ولعلّ الصعوبة الأولى التي تعترض القارئ العادي في “فكّ شفرة” العمل هو ذلك الكمّ الهائل من الحديث عن الأدباء والشعراء والفنانين والصحفيين الأجانب، فلا يمكن للقارئ العادي أن يتوصّل إلى تمثل “وجوه” دون أن يكون له نصيب من المعرفة لهذه الوجوه الثقافيّـة فهو على امتداد السيرة في امتحان معرفة أو هو في مكتبة عالميّـة ينتقل من عوالم نيتشه إلى عوالم اندريه جيد. ومن ألوان فان غوغ إلى تكعيب بيكاسو، ومن “حانة” زولا إلى “غريب” كامو. فيقدّم لنا شكري، من خلال هذه العوالم، وجها من وجوهه وجها لقارئ نجيب للأدب الغربي وفنونه.

وشدّة تعلّق المؤلف بهذه العوالم سوّلت له تشبيه شخوص من سيرته الذاتية في قسمات وجوهها بوجوه هؤلاء الأدباء الذين عشقهم. فالمومس “المبتدئة” التي اصطحبها إلى غرفته ، بعد قضائه ليلة ماجنه في إحدى الحانات، “فيها شيء من ملامح وجه رامبو ووسامته عندما جاء إلى باريس لأوّل مرّة” (ص 22).

وربّما لم تكن علّة إعجابه بفاطي المومس سوى تعلّقها بهذه العوالم الأدبيّـة فهي تحسن حفظ الشعر وإلقاءه مثلما تحسن عملها.

هذه بعض أشكال تقديم الذات كما قدّمها محمد شكري في “وجوه” إلاّ أنّ هذه الصورة للذات يشارك في رسمها كل من الذاكرة والتخييل معًـا وهذا الدور للتخييل هو الذي يهدّد صفاء الجنس الأدبي فتنحرف السيرة الذاتية نحو عوالم الرواية لنخلص إلى صورة مجازيّـة للذات الكاتبة كما تقدّم في سيرتها، لأنّ كاتب السيرة الذاتية “معرّضٌ دائما للانزلاق مع التخييل والخيال، فهو لا يكتفي فقط باختلاق الأكاذيب بل إنّ إطار الترجمة الذاتية كفيل بأن يستوعب أية رواية خياليـة محضـة” [35].

وصفوة القول إنّ صورة الشخصيّـة الرئيسيـة في “وجوه” والتي هي بالضرورة شخصيّة الكاتب تتسرّب بين مرايا السرد في حالة من التفـتّت والتفكّك. على عكس ما تظهر به في السيرة الذاتية التقليدية طاغية على الأحداث فاعلة فيها، فالرّاوي/البطل يكاد لا يخصّ نفسه بحديث مباشر إلاّ لمامًـا وربّمـا لم يرجع إلى ذاته إلاّ من خلال ما يستوجه حديثه عن الوجوه الأخرى وعن علاقاتهـا به. فكان حديثه عن نفسه وعلاقته مع فاطي مثلا يهدف إلى نقل صورة فاطي لا صورته وينسحب الأمر مع الشخصيات الأخرى (علال، باباداي، فريد، منصف، فيرونيك…) وهذه الصورة المفتتة للشخصية الرّاوية ساهمت في رسمها تقنية “المونتـاج” السينمائـي التي اعتمدها شكري في بناء عمله فنيّـا. فهو قلّمـا ينهي حدثا قد بدأ الحديثعنه دون أن يقطّعه ويفتّته، وهذا حال الزّمان والمكان.

إن هذه التقنيات هي إحدى أدوات العمل الروائي الذي استعاره شكري لتلوين سيرته الذاتية شكلا ومحتوى بجمالية الكتابة الروائية حتّى كان الراوي في “وجوه” راويا مشاهدا أكثر منه راويًا مشاركا.

واستنادا إلى هذه القراءة تنهض صورة الشخصية الرئيسيـة المتشظيّـة علامة واضحة على اختراق الجنس الروائي لعمل السيرة الذاتية فالروايات منذ القرن العشرين بدأت تنتج نمطا جديدا من الشخصية علامتها الأولى أنّها مجرّد هامة مفكّكة، غائمة الملامح. وقد كان السبق للرسم –السريالي خاصة_ الذي جسّدها بكل غموضها وحالاتهـا. ولما كانت تربط شكري علاقة حميمة بالرسم والرسّامين (انظر صورة الغلاف مثلا) فإنّ هذا الولع بالرسم يمكن أن يكون قادحًا لرسم مثل هذه الصورة التي ظهرت بها الشخصيّة. دون أن نغفل ما لثقافة الكاتب الروائية من دور فـ”الـشخصيّـة الروائيّـة التقليدية (قد فقدت) قوتّها الاقناعية فأصبحت في العمق تجسيدًا للابتذال والهم” [36] وما عادت البطولة تمثل واقعا روائيا ولا هاجسًـا عند المتلقّي، فقد غيّرت القراءة طقوسها وأفق انتظارها. “فلا بطل منتصرا ولا بطل منهزمًا (159).

VII- تراجع اللّهجي والمتداول وتنامي الدخيل

خلافًا لما كان مع كتابه “الخبز الحافي” الذي ذهب فيه إلى “اختبار التلفّظ الأوتوبيوغرافي” [37] – حيث لهجت الشخصيات بلسانها اليومي ولغة واقعها الاجتماعي والثقافي وتدفقت اللهجات ومستويات العربية في غير قيد – خلافا لذلك يعرض علينا شكري في الجزء الثالث من سيرته الذاتية وجها آخر من وجوه التعامل مع اللغة باعتبارها مؤسسة للنص الإبداعي من جهة وناقلة لنصّ الحياة من جهة أخرى.

فقد اكتسحت الفصحى النصّ حتّى لا نكاد نعثر على الدارجة أو اللهجات إلاّ في بعض الألفاظ المنفردة تحمل في الغالب أسماء لأمكنة أو لأنواع من الشراب المحلّي… خيّر شكري تركها دون “تفصيحها” حفاظا على طاقاتها الايحائية وحـميميتهـا مع مسميّاتها إلاّ أنّ هذا لم يمنعه من أن يعمد إلى محاولة تفسيرها بالفصحى في الهامش قصــد تـقــريبها من المتلقّي مثل “حصلة” “مقهى الرقاصة” “الماحيا”. وبهذا يكون شكري قد خاطب القارئ العربي عموما ضاربا عرضً الحائط بالخصوصيّة القطريّـة ومقولة اللسان المحلّي. وينسحب هذا الأمر على النصّ السردي وعلى لغة الحوار في الآن ذاته. فقد عمد الكاتب إلى صياغة حوار بسيطةٍ عربيّـته أو ما يطلق عليها بعض النقاد والمبدعين “باللغة الوسطى”. وقد نفسّر هذا التراجع عن تحرير الحوار عاميّـا بما تعرّض له “الخبز الحافي” من نقد نتيجة صعوبة فكّ شفرة اللهجة البربريّـة مثلا. وقد نفسّره بوعي شكري أخيرا أنّـه ليس هناك لهجة عاميّـة حتّى على مستوى القطر الواحد وإنّما هناك عاميات” [38]. كما يمكن تفسير هذا “التفصّح” في “وجوه” بغياب الحاجة إلى العاميّة ـ وهذا الأقرب عندنا ـ لأن أغلب الشخصيات في هذا العمل متعلّمة ومثقفة فحتّى وإن كانت لها رواسب وانتماءات قبائليّـة فإنّها أقلعت عن تداول لهجاتها الخاصّة بعد اِندماجها في أوساط المدينة : مدينة طنجـة، فاستعاضت بالعربية عنها.

ولكن، لئن أخلص محمد شكري في “وجوه” للفصحى وتراجعت مكانة العاميّة مقارنة بنصوصه السابقة فإن هذا الإخلاص للعربيّة لا يمكن أن يحجب عن القارئ “هيجان” الدخيل على النصّ العربي حتّى أنّـنا نادرًا ما نعثر على صفحة خالية من كلمة أجنبيّة تخلخـل الانسياب البصري للحرف العربي. وتربك العين باستدعائها للسان الآخر. قد تكون الكلمة اسما لكاتب أو عنوانا لكتاب أو نوعا من الخمور يصرّ شكري على أن يردف الكلمة العربية بمقابلها أو باصلها الأجنبي والأمثلة على ذلك كثيرة: (الحانة L’assommoir. فوتر Werther بلودي ميري Bloody Mary، فكتور نوار Victor Noir، سجن ألكاطراث Alcatraz، الشيفرولي Chevrolet، ألفريد دو موسيه A. du Musset…) وكما نلاحظ فإن الكاتب يعمد ساعة إلى ترجمة الكلمة إلى العربية مثل “الحانة” ويقدّمها في ساعات أخرى مهجّنة إلى العربية مثلما يتّضح في بقيّة الأمثلة.

ويتوزّع الدخيل فـي “وجـوه” علـى لغـات عديـدة فينفـتح النصّ على اللسان الفرنسي (ص 29 وص 144) مثلما ينفتح على اللسان الإسباني ( ص89) ولا يتردّد في استدعاء اللّسان الأنقليزي ( ص143) . ويخطر عندنا خاطر أن شكري ربّما أراد بهذا النصّ المسكون باللّغـات أن يرثي بطريقته واقع مدينته طنجة التي كانت “دوليّة” قبل الاستقلال والسيرة الذاتية باعتبارها سليلة الرواية فهي مثلها “جنس أدبي هجين، تتفتّح فيه اللغات كما تلتقي في جسمه سلالات الـمحـكي ولغاته بكل لغط الشوارع ومظاهر التعبير الاجتماعي اللغويّة” [39].

VIII- فورة الأجناس ورسوخ السيرة

تتنافذ الأجناس الأدبية في “وجوه” وتتعانق في تناغم غريب حوّل الكتاب إلى “مهرجان” أجناسي تصنّفـه كل عين بما تراه من تصنيف لحظـة القراءة. فقـد احتضـن المتـن عوالـم الأقصوصـة وتقنياتهـا مثلمـا احتضـن أجواء الشعر وآلياته. فالسيرة الذاتية كما تُعرض في “وجوه” لا تتردّد في تطعيم عوالمها بعوالم الكتابة القصصية والروائيـة والشعريـة على السواء. وهذا التعايش الأجناسي في العمل الأدبي الواحد دليل على بطلان نظريّـة برونتيار Brunetière حول ولادة الأجناس وفنائهـا [40]. فالجنس الأدبي لا يأكل الآخر مثلما أنّ “الحدود بين الأجناس لم تعد الآن بنفس الصرامة… والقطع والتحديد التي كانت قائمة في حقبة سابقة، بل أصبح الأمر يصل إلى درجة سقوط هذه الحدود وتداخل الأجناس الأدبية” [41]. و”وجوه” من هذه الأعمال التي تتخطّى جنسها، سيرة ذاتية لتتودّد إلى أجناس أخرى مجاورة مـثّـل الشعر إحداها. فيطفح النصّ بلغـة شعرية ساحرة تخاطب أغوار النفس ودفائـن الروح في نصوص سيريالية مؤلمـة ينقلها لنـا الخطاب السردي.

ويذهب شكري أكثر من ذلك فيتوسّـل بالتوزيع البصري للقصيدة الحديثة فيستهل معظم فصول السيرة بقصائد نثرية تحمل الكثير من الإيحاء الشعري، يقول في إحداها واصفا غربته :

“غـربـة
لـي غربتـان :
واحدة هنـا وواحدة
هنـاك
أيّهمـا الأغــرب ؟
لا خيار بينهمـا
فـي زمــن المحـن،
رغـم الوطــن”
(…) ( ص35).

ويقول في أخرى متحدّثا عن دموع الفكر وحزن الـمقـهـورين.
” تغزونـي دموعي
من خلال أفكاري
ربّمـا ضعفًـا فكّرت في نفسـي،
أو في أحــد
ليـس البكاء هو البكـاء،
قـد يخجــل الحـزن
من نفسـه أحيـانـا
عندما يغزو المقهوريـن.” (ص 65)

ويقول في ثالثة حمّلها الكثير من مشاعر الحزن ومناجاة النفس المكلومة:
” لـك زمانك وبعدك لي نفسي لنفسي.
لا أعلن نفسي وحيدًا
شاهدا على الخراب.
إنّما الجميل يتراءى من خلال سرابه
أهو الحزن ؟ أهـو البؤس ؟
أم هو بئـس المصيـــر ؟
عسى أن تذكــر معـي
تلك التي وأنـــت الذي
استكنّــا معـا في حضــن التذكــار.” (ص67).

أمّا القصّـة القصيرة فحضورها لا يقلّ عن حضور الشعر. حيث تعرض لنا “وجوه” حكايات عن وجوه عرفها شكري، وقد انتقاها بشكل متقن ودقيق تتحوّل فيه حكاية الوجه الواحد إلى قصّـة قصيرة منفردة. ولعلّ أبلغ مثال على هذه الظّاهرة في الكتاب تتجسّد في الفصل المعنون بـ “الميراث ” ففيه تحتشد عوالم القصة القصيرة بكل وجوهها الجماليّة والتقنية من وحدة للموضوع ووحدة الزمن وعدد الشخصيات المحدود وتكثيف للسرد وتنام سريع للأحداث نحو الذروة لتنغلق القصة / الحكاية بحدث مفاجئ.

وهذا التفاعل والتعاضد الأجناسي الذي حوّل “وجوه” إلى “رقعة شطرنج ” – كما يقول “محمود طرشونة في حديثه عن “ألف ليلة وليلة” التي تعيش هي أيضا هذا التفاعل – لن يحول دون تصنيفها ضمن لون من ألوان السيرة الذاتية فحضور الخطاب الروائي والخطاب الشعري والقصصي والخاطرة بعض الأحيان لا يخرج النص من جنسه لأنّ “كل نص يستند إلى جملة خصائص تسمح بتجنيسه وإدراجه ضمن جنس أدبي عام مهما بلغت درجة انتهاكه للقواعد الأوليّة لذلك الجنس” [42].

ويُرجع بعض النقاد هذا التعالق الأجناسي الذي يظهر عند كاتب ما إلى تركيبة الذّات الكاتبة. فالمبدع الذي تظهر على نصوصه “أعراض” هذا التمازج يكون غالبا قد جرّب تلك الأجناس منفردة ولو كان ذلك التجريب غير معلن. فيكون في ذات الوقت مسكونا – عن وعي أو دون وعي – بالشعر والقصّة القصيرة والمذكرات والرواية. وهذه ذات الحالة التي يعيشها محمد شكري فقد سبق له أن كتب الشعر وأصدر ثلاث مجموعات قصصيّة : “مجنون الورد” و”الخيمة ” و”المدينة المضادّة ” مثلما سبق له كتابة الرواية لمّا أصدر روايته “السوق الداخلي” وعرف كتابة المذكرات لمّا كتب “جان جينيه في طنجة” و”تينســي وليامز في طنجة” و”بول بولز وعزلة طنجة” بل إنّه جرّب حتى الكتابة المسرحية والمقالة النقدية. ومن ثم فإن هذا التقاطع الأجناسي في سيرته الذاتية الروائية “وجوه” سيكون أمرا متوقّعًا.

• كأنّها الخاتمـة…

مثّل نصّ “وجوه” لمحمد شكري حالة من حالات الكتابة الإشكالية. فكل العلامات توقّع انتماء النصّ إلى جنس السيرة الذاتية غير أنّ هذا الانتماء لا يحجب عنّا تلوّن العمل بألوان أجناسية أخرى حوّلت فضاءه إلى بانورامـا من الأجناس يستدعي بعضها بعضا وينفتح الواحد علىالآخر في لعبة تـشكيلية تحمل النصّ إلى عوالم التجريب فينكر جنسه ساعة ليخونه مع غيره ولكن هذه “الخيانات الفنيّة ” لتقاليد الجنس ونقاوته لا تخرج النصّ من جنسه الأصلي. بل إننا لو جوّدنا النظر فيه للاحظنا أن هذا التلوين يؤصّل العمل الفنّي في جنسه من ناحية ويكسبه خصوصيته من ناحية أخرى. ونصّ “وجوه” من النصوص التي تُربك انتظارنا فتقول مالا يتوقّع أن يقال وبطـرق غير متوقّـعـة. فينتزع بذلك الكاتب منّا اعترافا بالمباغتة.

وعموما، إن مثل هذه النصوص التي تعيش حالة من التعايش الأجناسي هي حالات وجودية خاصّة ولعلّ أوّل مبادئ الوجوديّة أن تضع الذات نفسها في مواجهة الموت/القدر ونص “وجوه” لشكري يواجه قدر جنسه – سيرة ذاتيـة – عندما يخونه مع جنس الرّواية ولكن هذه الخيانة تتحوّل إلى خيانات فتتعالق الكتابة القصّة القصيرة بالمذكّرات و بالشعر… وهل للخيانة حـدود؟….
*****

هوامش

[1] “وجوه ” لمحمـد شكري، دار الساقي، ط 1، بيروت 2000.

[2] يقول فيليب لوجون : « Récit prospectif en proposé qu’une personne réelle fait de sa existence, lorsqu’elle met l’accent sur sa vie individuelle en propre particulier sur l’histoire de sa personnalité. » Philippe le jeune. Le pacte autobiographique. Ed seuil c (points) Paris 2001, p14.

[3] جورح ماي : السيرة الذاتية، تعريب: محمد القاضي وعبد اللّه صولة. بيت الحكمة، قرطاج تونس 1992، ص ص 184-185.

[4] بوشوشة بن جمعة: اتجاهات الرواية في المغرب العربي، تونس 1999، ص ص 147-148.

[5] أحمد المديني: الكتابة السردية في الأدب المغربي الحديث، ط1، الربــاط 2000 ص 242.

[6] بوشوشة بن جمعة: اتجاهات الرواية في المغرب العربي، ص145.

[7] جورج ماي: السيرة الذاتية، ص 192.

[8] وجوه: الطبعة المغربية 2000 (صدر على نفقة المؤلف).

[9] وجوه: الطبعة اللبنانية 2000.

[10] “هل أنا الذي يكتب هذه السطور في المرحلة الرابعة هو حقّا ذلك الطفل الذي ترك عند السطح تلك الآثار. كلاّ فإنّ جسمي غير جسمه، ثم إن الظروف غير الظروف والمشاعر غير المشاعر والتفكير غير التفكير”. عبد المجيد بن جلّون: “في الطفولة”، مطابع دار الكتاب الدار البيضاء، د.ت، ص350.

[11] جورج ماي: السيرة الذاتية، ص 83.

[12] حميد لحميداني: في التنظير والممارسة، منشورات عيون الدار البيضاء 1986، ص68.

[13] محمد شكري: الخبز الحافي، دار الساقي، ط6، بيروت 1999، ص 228

[14] جورج ماي: السيرة الذاتية، ص 94.

[15] “الكاتب المغربي محمد شكري في حوار شامل وصريح…” صحيفة القدس العربي السنة 15، عدد 3955، 2/3 فيفري 2002 ص 13.

[16] ربّما حدث ذلك مع رواية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر التي صودرت في مصر واتّهم صاحبها في دينه.

[17] اعتمدنا مصطلح “أمكنة” ولم نعتمد مصطلح “فضاء” لتباين المفهومين رغم أن بعض النقاد يسقطون في خطإ الترديف. انظر “شعريّة الفضاء” لحسن النجمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000.

[18] محمد شكري (حوار)، أسئلة الرواية لجهاد فاضل. الدار العربية للكتاب د.ت، ص 203.

[19] كان المغربي لا يدخل طنجة، زمن الاستعمار الفرنسي/الإسباني – إلاّ بجواز سفر.

[20] محمد شكري: “المدينة القحبة”، السوق الداخلي، دار الجمل بيروت 1997، ص122.

[21] حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1990، ص 243.

[22] سيـزا قاسم درّاز: جمالية المكان (كتاب جماعي)، عيون، الدار البيضاء، ص 62.

[23] جورج ماي: السيرة الذاتية، ص 107.

[24] محمد شكري: مفهومي للسيرة الذاتية الشطاريّة، من كتاب: الرواية العربية واقع وآفاق، دار ابن رشد، بيروت 1981، ص 234.

[25] يقول محمد شكري في “السوق الدّاخلي”: “فكرت أن الإنسان في مثل هذه العزلة إمّا أن يسمو فيها إلى منتهى العقل أو يسقط في منتهــى الجنــون”، ص 28.

[26] جورج ماي: السيرة الذاتية، ص 59.

[27] ن.م، ص 83.

[28] ن.م، ص 83.

[29] تزفيطان طودوروف: الشعرية، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، ص 48.

[30] “الصدق الفنّي هو غالبا إيهامي” حميد لحميداني، في التنظير والممارسـة، ص 66.

[31] المقولة لجورج مور (George Moore) ـ مأخوذة عن فوزية الصفّار الزاوق من كتابها: “الترجمة الذاتية في الأدب العربـي الحديـث” تـونس 1999، ص 102.

[32] جورج ماي: السيرة الذاتيــة، ص 212.

[33] ن. م، ص ص 201-202.

[34] حسن بحراوي: بنيـة الشكل الروائي ص 206.

[35] القولة لجان ستاروبنسكي من كتابه ” النقد والأدب” مأخوذة من كتاب “في التنظير والممارسة” لحميد لحميداني ص 67.

[36] ناتالي ساروت : الرواية والواقع (كتاب جماعي) ترجمة رشيد بنحدو منشورات عيون الدار البيضاء 1988، ص 17.

[37] أحمد المديني: الكتابة السردية، ص 254.

[38] عبد الرحمان منيف: الكاتب والمنفى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان 1994، ص 33.

[39] محمد عزالدين التازي : شجرة الرواية، ملتقى الروائيين العرب الأول ، دار الحوار سورية ط1،1983، ص 78.

[40] “تصنيف برونتيار Brunthière). يعود إلى سنة 1890 والذي ربط تطوّر الأجناس الأدبيّة بتطوّر الأجناس الحيّة تبعا لبحوث داروين”. د. محمود طرشونة، مدخل إلى الأدب المقارن، تونس 1986، ص 107.

[41] القولة لأدوار الخرّاط: أخذت من مقال عادل الفريجات: “الأجنـاس الأدبية: تخوم أم لا تخوم”، مجلّة علامات في النقد. ج38، م10، الرياض، ديسمبر 2000 ص 261.

[42] محمد برّادة : مقدّمة ترجمته لـ”أصل الأجناس الأدبية” لتودوروف، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد1، 1982، ص 44.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s