ســاعاتُ جان جِـيْـنَـيه الأخيرة

ترجمة وإعداد : ســعدي يوســف4-format43
” المادة مستقاةٌ من كتاب GENET لأدموند وايت Edmund White مع تاريخٍ زمنيٍّ أعدّه
ألبرت ديشي Albert Dichy ، وقد صدر الكتاب في ثمانمائة وعشرين صفحة من القطع الكبير ،
العامَ 1993 عن دار نشر Chatto & Windus Ltd اللندنية . آثرتُ حذفَ تفاصيلَ معيّـنةٍ
تخصُّ أناساً من معارف جينيه ما زالوا أحياء ، بسبب ما ارتأيتُ أنه قد يسبب إحراجاً لهم ” .
س. ي

ربيعَ 1986 ، بدأ [ جان جينيه ] يصحح البروفات الأولـى [ من الأسير العاشق ] . داء السرطان نشطَ من جديدٍ . وعندما ذهب مع ليلى شهيد [ سفيرة فلسطين بباريس حاليّـاً ] ليعرف نتيجة الفحص المختبري لـرُقاقةٍ منه ، كان يأنف أن يسأل الطبيبَ عن الأمر ، بل سأل هو ، الطبيبَ : كيف حالك؟ ، وقد أجابه الدكتور شووب: ممتازٌ ، وأنت؟
لم يكن أحدٌ ليقول الحقيقةَ ، ولهذا انتحتْ ليلى بالطبيب جانباً ، مستفسرةً عن جليّـة الأمر . لكن الدكتور شووب كان بالغَ البرودِ معها ، واكتفى بأن قال : سوف أرسل النتائج إلى السيد جينيه .
بعد فترةٍ وردَ التشخيصُ بالبريد مع اقتراح الخضوع للعلاج الكيمياوي .
وافقَ جينيه على العلاج بالأشعة السينية ليغنمَ مزيداً من الأشهر كي يتمَّ العمل في كتابه . لقد رفض العلاجَ الكيمياوي ( الذي كان خضع له من قبلُ ) بسبب معرفته أن هذا العلاج يُخْـمِـلُ فطنتَـه ، وأصرَّ على أن يعرف كم سيعيش بالضبط. الدكتور شووب كان أخبره أنه يحتاج إلى عدة جلسات علاجٍ بالأشعة السينية . وعندما أتـمَّ جينيه ما ظنّـه علاجاً أخيراً ، أخبرتْـه الممرضة بأن عليه العودة غداً لجلسةٍ أخرى ، ثم ألمحتْ إلى
مزيدٍ من الجلسات مستقبلاً . فجأةً استشاطَ جينيه غضباً وقرر أنه لن يعود . لقد كان استجمع كل شجاعته وصبره ليتحمّـل الجلسات المقررة ، وهو الآن لا يستطيع مواجهة جلساتِ علاجٍ أخرى – ومن المؤكد أنه لايطيق أن يكذب عليه أحدٌ .
كان جاكي ماغليا ، وليلى [ شهيد ] ، جاءا يصحبانه خارج المستشفى . كان جينيه غاضباً شديداً – ومتلهفاً للعودة إلى العمل – حتى لقد تقدّمَـهما في السير . فقدَ من وزنه الكثيرَ ، حتى اتّسعَ سروالُه وتهدّلَ فبانَ ما بين إليتَـيه. لم يكن ليتحدث مع ليلى أو جاكي ، على غير عادته ، هو المعروف بتمتمات دعاباته الصغيرة وروحيته العالية . وقد حزنت ليلى كثيراً لجاكي الذي بدا خائفاً مرتبكاً .
بعد ذلك بقليلٍ ، سقط جينيه من فراشه ، لا بسبب عقار النيمبوتال الذي ألِفَ تعاطيه ، وإنما بسبب اختناقه بالمخاط الناتج عن السرطان والعلاج . كان لديه دوماً مخاطٌ كثيرٌ ، لكن العلاج بالأشعة السينية سبّب اختناقه.

عندما توقّفَ جينيه عن العلاج بالأشعة السينية تدهورت حالته بســرعة شديدةٍ ، كأن المرض كان أُوقِفَ مؤقتاً
فقط . ظلت ليلى تصرُّ على عودته إلى العلاج بُـغيةَ إتمام كتابه ، لكنّ جينيه زجرها قائلاً : ” هذا ليس من شأنكِ”.
وحدث في أحد الأيام ، حين كانت توشك أن تغادره ، تقدمتْ إليه ، وقبّـلتْ جبينه . ولقد فعل ما لم يفعلْـه
البتةَ : قبّـلَ يديها كلتيهما .
في اليوم التالي ، اكتشفت ليلى أن جينيه هرب إلى إسبانيا مع جاكي – الذي غدا هو نفسه منهكاً من العناية بجينيه
حتى أمسى هزيلاً بصورة مخيفة .
كان ذلك في أوائل آذار . جينيه وجاكي وجدا أحمد في إسبانيا ، فسافر الثلاثة إلى مرفأ جنوبيّ ، ليستقلوا مركباً إلى طنجة . من طنجة ذهبوا إلى الرباط حيث رأوا عز الدين .
عندما كان جينيه في المغرب ، سألَ أحد أصدقاء ليلى عن مقبرةٍ إسلاميةٍ بالرباط : ” أتظنهم يقبلون شخصاً غير مسلمٍ في هذه المقبرة ؟ ” .
ربّـما فكّــرَ أنه قد يموت في هذه الســفرة .
لكأنه فعل كل ما شاء أن يفعله … وأدركَ أن مزيداً من الوقت ما زال لديه ، وهكذا بعد ثلاثة أيامٍ في المغرب سافر بالطائرة عائداً من الرباط إلى باريس .
وفي باريس ، ولأول مرة ، لم يستطع الحصول على غرفة في فندق روبنز ، بل أن موظفة الإستقبال كانت خشنة معه ، قائلةً له : ” أنت لم تحجز ” ، مع أنه لم يحجز البتةَ ، هنا ، وكانت مشغولةً جداً فلم تساعده في الحصول على غرفةٍ أخرى . ذهب جاكي ، ووجد غرفةً في فندق صغيرٍ ذي نجمة واحدة ، هو فندق جاك . وحين مضى جاكي بجينيه إلى الفندق ، عبر الشوارع ، كان جينيه من الضعف بحيث تعيّـنَ عليهما الجلوس على مصطبة بين حينٍ وآخر .
في الليلة الأولى بهذا الفندق كان جينيه في حالة جيدة .
تلقّـى الدفعة الثانية من بروفات ” الأسير العاشق ” ، وشــرعَ يصححها . والواقع ، حسب جاكي ، أنه شرعَ فعلاً يعمل في جزءٍ ثانٍ ، جرياً على عادته في اعتبار أي كتابٍ ، كتاباً أخيراً ، وفي الوعدِ بما يتلوه .
إنه الآن يعمل مسروراً في الجزء الثاني من ” الأسير العاشق ” ، كما وعدَ في الجزء الأول .
ظلّ جاكي وإيساكو وليلى يسهرون عند ســرير جينيه . إيساكو ، نفسها ، كانت عولجت بنجاح من سرطان الرحِــم ، لكنها الآن تشعر أنها ليست على ما يُرام . استفسرَ منها طبيبها في باريس إن كانت تعرف أحداً يعاني من السرطان ، وحين أجابته بالإيجاب قال لها إنها تعيد إحياءَ ســرطانها هي .
عرف جينيه بالأمر ، فطلبَ منها ، تلطُّـفاً ، أن تترك السهر عليه .
عندما غادرَ جاكي مع إيساكو ، قال جينيه لليلى : إنني أدمِّــرُ هؤلاء الناس حقاً ” .
كان يشير إلى عبد الله الذي ظلَّ موته يؤرقه . أحسَّ أيضاً بأنه مسؤولٌ عن جرح جاكي ، بل حتى عن سرطان إيساكو .
في مقابلته مع نايجل ويليامز ، كان جينيه قال ، مستعيداً عبارة القديس أوغسطين : ” أنا أنتظرُ الموتَ ” .
والآن جاءه ، هو الرجل الذي كرّس نفسه للموضوع طيلة حياته الإبداعية . في 1982 كان أخبرَ برتران بوارو- دلبش ، أنه ينبغي ” نزع دراما ” الموت . كان يرى أن الناس يثيرون ضجةً كبيرة حول الموت . وهو نفسه ، يتفق مع مالارميه الذي سـمّـى الموتَ ” ذلك الجدول الضحل ” .
ليلة 14-15 نيسان عبرَ جينيه ذلك الجدولَ .
لقد سقط في الغرفة غير الأليفة ، وهو يصعدُ درجةً واحدةً إلى الحمّـام .
وعندما وجده جاكي ، صباح اليوم التالي ، لاحظَ كدمةً كبيرةً في مؤخرة رأسه .
تـمَـثّـلَ جاكي وليلى كيفية حدوث الأمر .
كانت هناك دورة مياه صغيرة . هل نهض جينيه ليتبوّل ؟ أكان دائخاً ، لنقلْ في الثالثة صباحاً ، من الحبوب المنوِّمة التي كان يأخذها دائماً ؟ هل فقد توازنه ؟
لم يكن الأمر نوبةً قلبيةً ، أكيداً . إذ لم يكن يعاني من مشكلات قلبٍ .
لاحظَ جاكي أن موت جينيه في الدائرة الباريسية الثالثة عشرة ذو مغزى . ففي هذه المنطقة يقع سجن سانتيه .
لقد أُحكِمَت العقدة.
كان جينيه قال مرةً لجاك فرجيس ، المحامي الراديكالي : ” لو حدث أني غائبٌ ، ووقع جاكي في مشكلةٍ ، فقد أخبرتُه بمراجعتك ” .
ذهب جاكي إلى فرجيس ، يوم موت جينيه. قال لفرجيس : ” ذهبتُ هذا الصباح لرؤية جان [ جينيه ] ، فنحن نتناول فطورنا معاً ، دائماً . كان في غرفته . قصدتُ الحمّـام . كان عارياً ، ممدداً ، وميتاً . استدعيتُ صاحب الفندق الذي أشعرَ الشرطة” .
وعندما استفسر منه فرجيس عمّـا يريد جاكي منه أن يفعل ، قال جاكي : ” الشرطة أخذوه إلى المشرحة ، وأنا لا أريد أن يجرى تشريحٌ عليه . وجان أراد أن يُدفن في المغرب ، حيث امتلكَ بقعةً ” .
بعد قليلٍ ، اتصل فرجيس بجاكي ، وأخبره أن رولان دوما كان محامي جينيه ، ولسوف يتكفّل بكل شــيء .
حين مات جينيه ، حُفظَ جثمانه في معهد الطب الشرعي لأيامٍ عدّةٍ . بدايةً أراد أصدقاؤه أن يدفنوه في مقبرة ثِـيَـيه ، حيثُ دُفِـنَ عبد الله ، لكنها كانت خاصةً بالمسلمين فقط .
كان جينيه قال إنه يريد أن يُـدفَنَ في العرائش .
جرى نقاشٌ واسعٌ حول الأمر بين ليلى شهيد ومحمد القطراني وجاكي ماغليا ولوران دوما ورولان بواييه .
في النهاية قال محمد إنه يريد أخذ جثمان جان . حاولت ليلى ثنيَـه عن ذلك. قالت له : ” سوف يقتلك ” . كانت غريزتها على حقٍّ .
محمد كان يذهب باستمرار إلى قبر جينيه الذي بمقدوره أن يراه من نوافذ منزله . استسلمَ تدريجاً إلى يأسٍ غامرٍ . استقلَّ قطاراً ليحضر مؤتمراً عن حياة جينيه وأعماله في جنوبيّ المغرب ، لكنه بعد ساعةٍ من السفر بالقطار هبطَ في المحطة التالية ، باكياً ، وعاد بالقطار إلى الرباط .
كان جينيه اشترى لمحمد سيارةً ، وبعد عامٍ من موت جينيه ، صدمَ محمد بسيارته ، شجرةً ، في الظلام ، ومات .
ما إن تقرّرَ دفن جينيه في المغرب ، حتى اتّـصلَ رولان دوما ، الذي كان وزيراً للخارجية الفرنسية ، بالحكومة المغربية . قال المغاربةُ إنهم مغتبطون لأن جينيه سوف يدفَـنُ في بلادهم ، وعرضوا إرسالَ فرقة موسيقية عسكرية
لاستقبال الطائرة . لكن الورثة لم يريدوا ضجةً وفخفخةً أو احتفالاً . قال رولان دوما للمغاربة : ” لا تنظموا أي شـيء ، لكن أرجو أن تسهِّـلوا كل شــيء ” .
حين أقلعت الطائرة من باريس ، كان في المطار ، لتوديع الجثمان ، كلود غاليمار ، رولان بواييه ، ورولان دوما .
رافقَ الجثمانَ إلى الرباط ، محمد القطراني ، جاكي ماغليا ، وليلى شهيد .
توفِّـي جينيه بعد يومٍ واحدٍ من وفاة سيمون دوبوفوار .
لكنها حظيتْ بجنازةٍ باريسيةٍ حافلةٍ ، بينما دُفِـنَ ، هو ، في هدوءٍ ، بالعرائش .
ولأنه لم يكن مسلماً ، كان ينبغي ، إذاً ، أن يُدفَنَ ، في مقبرةٍ إسبانيةٍ قديمةٍ لم يُدفَن بها أحدٌ منذ سنين .
المقبرة كانت حيثُ ألِفَ جينيه المشيَ كلَّ مساءٍ مع عز الدين .
المرأةُ التي تهتمُّ بالمقبرة ، لديها عنزةٌ تقتاتُ الأعشابَ النابتةَ بين القبور المتداعية ، وتنشرُ غسيلها على حبلٍ يمتدُّ بين بوّابتها وأحد تماثيل المقبرة .
الدفّـانون لم يعرفوا كيف يوارون مسيحيّـاً ، الترابَ .
وهكذا وجّهوا القبرَ نحو مكّـــةَ .
القبرُ يشرفُ ، كذلك ، على السجن الإسباني القديم ، والـمبغـى : الموضوعينِ الأثيرَينِ لدى جينيه .
جاكي ، العارف بعوائد اليابانيين إزاء الموتى ، كان يقصد القبرَ مع محمد ، ليقدمَ إلى جينيه ، سجائره الجيتان المفضّلة ، بل الصحف الفرنسية أيضاً .
وكان الرجلان يجلسان عند القبر ويتحدثان مع صديقهما الميت .
عندما اقتلعَ أحدُ هواة الآثار ، شاهدةَ الرخام المنحوتة التي تحمل اسم جان جينيه والتواريخ ، كتب جاكي بخط يده شاهدةً أخرى .
وبما أن خطّ جاكي يشبه تماماً خطّ جينيه ، بدا كما لو أن هذا الكاتب العظيم قد وقّـعَ ، بنفسه ، بيانه الأخيرَ .
لندن 18/6/2004

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s