شانغ يانغ أو محمد شكري : أخطأ السرطان طريقه اليَّ ظانا أنني دجاجة!

chamalpost-chokriكمال الرياحي

الموت هواليقظة
هنري ميلر
جمال الموت في الحضور، الحضور الذي لا يمكن التعبير عنه، حضور الأرواح المحبوبة التي تبتسم لعيوننا الدامية، اختفي الكائن الذي نبكيه، ولكنه لم يرحل. لم نعد نلمح محياه الرقيق، ولكننا نشعر أننا تحت جناحيه. الموتي هم الخفايا، ولكنهم ليسوا الغائبين .
بهذه العبارة لفيكتور هوغو يمكننا أن نعبر إلي روح كاتب عربي انتزع صفة العالمية من خلال أعماله الابداعية القليلة فهو أكثر الأدباء العرب ترجمة، عاش شهرة كبيرة جعلته محلّ احتفاء واختلاف كبير في الأوساط الثقافية العالمية، كاتب ملأ الدنيا وشغل الناس وما زالت أعماله قبلة القراء والباحثين والمترجمين.
هو الكاتب المغربي محمد شكري المولود قريبا من الناظور في الرّيف المغربي سنة 1935. نزح مع والديه وهو في السابعة من عمره إلي طنجة هروبا من المجاعة التي ضربت الشرق المغربي، عاش مراهقة بئيسة مع المتشرّدين، واشتغل في مهن شتّي قبل أن يلتحق سنة 1956 وهو في سن الواحدة والعشرين بالمدرسة لتعلّم القراءة والكتابة. لم ينتظر طويلا ليكتب قصائده وقصصه القصيرة الأولي وواصل دراسته بمدرسة المعلّمين ليتخرّج منها أستاذا.
بدأ ينشر أعماله في الدوريات الأدبية العربية والأمريكية سنة 1966. قام الروائي الأمريكي المقيم بطنجة بول بوولز صاحب رواية السماء الواقية بترجمة الخبز الحافي السيرة الذاتية لمحمد شكري الي الانكليزية ونشر الكتاب في الولايات المتحدة بعنوان من أجل الخبز وحده ثم ترجمه الروائي الطاهر بن جلون الي الفرنسية ونشر سنة 1981 بباريس. وقد عرف هذا الكتاب نجاحا كبيرا ليترجم بعد ذلك إلي أكثر من عشرين لغة. ولم يصدر في نسخته العربية التي كتب بها إلا سنة 1982 وسرعان ما منع في المغرب لتتكفّل بعد ذلك بنشره دار الساقي ببيروت وكانت دار الآداب قد رفضت نشره في السبعينات.
كتب محمد شكري فـي القصة القصيرة: مجنون الورد : دار الآداب، بيروت، 1979، ط 2، مؤسسة بنشرة، الدار البيضاء، 1985 الخيمة: مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 198، منشورات الجمل، ألمانيا 2000. وكتب فـي الروايــة والسيرة الذاتية الروائية : الخبز الحافي: دار النجاح الجديد، الدار البيضاء، 1982، ص 2، 6، دار الساقي، لبنان 1988. السوق الداخلي: مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1986، منشورات الجمل، ألمانيا 1997. الشطار: (الجزء الثاني من السيرة الذاتية) دار الساقي، لبنان 1992. * نشرت بعنوانها الأصلي زمن الأخطاء بدار الساقي، لبنان 1992. وجوه (الجزء الثالث من السيرة الذاتية) دار الساقي، لبنان 2000. وكتب فـي المسـرح : السعادة، الرباط 1994. د أسترناكوس العظيم أو موت العبقري. الطلقة الأخيرة، ونشر فـي المذكـرات : جان جنيه في طنجة (الرباط 1993) نشرا في كتاب واحد عن منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا. تينسي وليامز في طنجة (الرباط 1983).
بول بوولز وعزلة طنجة (الرباط 1996)، منشورات الجمل، كولونيا 1998، ألمانيا 1997. فـي النّقـد : غواية الشحرور الأبيض، 1997، مقالات عن الآداب العالمية، كان الكاتب قد نشرها في مجلّة الآداب . إلي جانب حوار نشر في كتاب ورسائله مع محمد برادة بعنوان ورد ورماد وزارة الشؤون الثقافية 2000.
حققت مبيعات كتب محمد شكري أرقاما قياسية فبيع من الخبز الحافي مثلا أكثر من عشرين ألف نسخة في عام واحد قبل أن تقع مصادرته في المغرب.كانت ولا تزال كتبه تهرّب في دول عربية مثل الأفيون وتباع كالخبز في دول أخري منع تدريس كتابه الخبز الحافي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة مع ذلك انتزع لقب كاتب عالمي وهو من الكتاب العرب القلائل الذين لهم وكلاء أعمال ووكيل أعماله روبير طودي هولاندا ما زال يقوم بدوره حتي بعد وفاة محمد شكري فقد أبقي عليه ورثة شكري لما عرف عنه من أمانة!!!! ارتبط اسم شكري بعبارات من نحوالعبقرية والظاهرة والاسطورة ليكون أسطورة طنجة التي فشل في نحتها جان جينيه وتينسي وليامز وبول بوولز والمرابط… طنجة لا تتنازل عن أسطورتها إلا لعاشق راهب مثل شكري الذي ترك الزواج ليتزوج بالكتابة. وساند قراره بؤس ما عرفه عن الآباء الشرقيين من خلال تجربته الفريدة التي جعلته يقول للمسرحي الزبير بن بشتي لكي أصبح أبا لابن عليّ أن أتزوج. لقد عزفت عن الزواج لأني أخشي أن أمارس علي من ألد نفس التسلط والقهر اللذين مورسا عليّ. لهذا أنا أخشي أن يكون لي مولود.. فأنا لا أثق في نفسي.
في الذكري الرابعة لوفاة الشحرور الأبيض محمد شكري تتعثّر الكتابة فأشحن القلم بمراجعة مقال قصير قديم كنت قد كتبته في الساعات الأولي لرحيله مأخوذا بهول الفاجعة. بدأته بأول جملة من الخبز الحافي مسرودة علي لسان تينسي وليامز أبكي موت خالي والأطفال من حولي. يبكي بعضهم معي. لم أعد أبكي فقط عندما يضربني أحد أوحين أفقد شيئا. أري الناس أيضا يبكون المجاعة في الريف. القحط والحرب (1).
لقد بدأت سيرتك الذاتية بالبكاء… ها ها ها.. لا بدّ أن تنهيها وأنت صامت، إنّ ما يبدأ بالحزن لا بدّ أن ينتهي بالحزن (2). هكذا خاطب تينسي وليامز محمد شكري ضاحكا وهويقرأ السطور الأولي من سيرته من أجل الخبز وحده For bread a lone التي نشر جزأها الأوّل في العدد السابع من مجلّة انتيوس Anteaus، وأنهاها محمد شكري قائلا : لا أبالي بما يسقط من أوراق شجرة خريفي، لقد أعطت لونها وثمرها وطعمها ورحيقها. كل شيء ثم كما شئت وكما لم أشأ. لا أذكر من أشجاني إلاّ ما يسترقّ من خشونتها وما يهيجني إلي ذكري مستطابها. المرء ليس دائما هو كيف انتهي وليس كيف بدأ. فقد ينتهي بما بدأ أو يبدأ بما انتهي، إننا ما نصير إليه (3).
هكذا، بعد رحلة طويلة مع الجوع والحرمان والقهر والكتابة واللذّة والرعب والتمرّد نزل الشحرور الأبيض من قطار الحياة الداعر ليطير نحو المقابر التي جاء منها خبزه الحافي.
حملني خبر رحيل شكري يومها إلي ما قرأته في الجزء الثالث من سيرته الذاتية وجوه حول رغبته الدائمة في زيارة مقابر الدنيا : إنّها رغبة ماسّة، ملحّة لزيارة قري ومدن الأموات في كلّ بلد أزوره حتّي ولو لم يكن فيها من أعرفه من مملكة الأموات (4).
سقـط الـمـارد /رحـل الشحـرور الأبيض /رحـل الكـاتب المغربـي /رحـل الكـاتب الملعـون /رحـل الروائي الصعلـوك /رحـل سيّـد المهمّشيـن
وكأنّي بمحمّد شكري كان يستمع إلي خطوات الموت القادم من بعيد في كل كلمة كان يكتبها في وجوه ، ولم يطل به الانتظار فقد وصل قطاره في موعده في النصف الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 بعد أقلّ من أربع سنوات من ظهور الكتاب، كان قد قضي معظمها محلّقا في شقّته المعلّقة في طنجة كأعشاش اللقالق أو ممدّدا علي أحد أسرّة مستشفياتها.
أكل الموت الرجل الذي أذهل العالم بحياته وكتبه، الرجل الذي تمرّد علي قدر الجهل والأميّة ليجنْدِلهما في سنّ متأخرة، فتعلّم القراءة والكتابة بعد سنّ العشرين، القلم الذي تمرّد علي أخلاقيات الأدب المتأدّب ليخلق زمن الأدب الشقيّ. وهو الذي أخرج الجنس باعتباره سلوكا إنسانيا من مقصورات الإدانة إلي نور الكتابة وهو القلم الذي فكّ الحصار علي الجنس الأدبي فتعالقت في أعماله السيرة الذاتية بالرواية والشعر والمذكرات. وهو الكاتب العربي الذي فكّ الحصار عن الكتاب العربيّ ففتح له بالترجمة آفاقا رحبة، لقد قدّم شكري إلي الأدب العربي ما لم يقدّمه كاتب غيره.
غاب الكاتب الحرّ الذي ظلّ يرفض صدقة الرسميّين فهو من المثقّفين العرب الذين لا يلتفت إلي مواهبهم بسبب أنّهم لا يحظون بصداقات المتنفّذين ولا يتمتّعون بالقدرة علي النفاق وتسويق أنفسهم لدي الجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية بالثقافة والمثقّفين (5).
اختفي الكاتب الملعون ليتركنا نواجه لعنة زمن الأخطاء بمفردنا. رحل متحدّيا رسائل التهديد التي كانت تصله متوعّدة له بالتصفية، منذ مدّة كان تصله رسائل موجزة : هيئ نفسك ، سيأتي دورك (6) لمن تراهم سيرسلون رسائلهم اليوم وقد طار الشحرور من غرفته السطوحيّة إلي سماءات المجهول؟!!
رحل القلم المشبوه فلمن سيجهّر الرقيب شباكه وفخاخه؟ هل تراه قادرا علي مصادرة انتشار روحه بين مريديه؟
ها قد مات الرجل ومضت علي دفنه سنوات أربع فلمن ستُصنع شائعات الموت بعده (7)، تأكّد رحيل الكاتب الذي أراد أن يكون وحيد نفسه ورفض أن يكون نسخة من الآخرين، يقول في رسائله إلي محمد برادة في كل عصر يوجد ناس من كل العصور أنا لا أريد أن أكون نسخة من التكرار الأبدي أريد أن أكون وحيد نفسي وعصري وحياتي ولعنتي ورضائي وموتي وبعثي وتشبثي بما أنا وما لست أنا وما لست بعد إياه بالذي كان وبالذي لم يكن (*) رحل كاتب الحقيقة المزعجة ليترك الساحة للمزوّرين ليعملوا مساحيقهم في الحياة ويرتكبوا معصية الكتابة الفاسدة بأقنعة وقفازات ومقصّات ومساحيق. هذه الكتابة التي وصفها شكري بالكتابـة الملائكيّة:
إنّ الكتابة الملائكيّة، عن الإنسان، قد تسلي ولكنها لا تخدم ولا تغيّر، إننا لا نملك الحرية والخيال في الكتابة التطويرية لأنّ بعض الأنظمة العربية الرجعيّة مسكونة بمرض ازدواجية التفكير. لقد قال عبد الكبير الخطيبي في كتابه رواية المغرب العربي نحن نسمح للدعارة أن تكون في الشارع ولا نسمح لشخصيّة روائية أن تعهر (8).
إنّ الصدق الذي كتب به محمد شكري سيرته الذاتية وأعماله الروائية والقصصية هو صدق عجائبي في زمن مرسوم بألوان الزيف، لقد استطاع أن ينقل حقيقة ذلك الإنسان الذي وصفه عبد الجبار العشّ قائلا : الإنسان ذلك القرد الأملط، ذلك الطاغية، المرابي، المتعجرف النهّاب السافل الانتهازيّ المبدع الخلاّق المدهش، وقد استحال إلي خرقة، خرقة ملوّثة بالبراز، ملقاة حذو مرحاض (9).
وصف الكاتب الملعون مرة جائزة نوبل ردّا علي سؤال صحفي بأنّها نكتة و مؤسسة ظالمة ومسوّسة (10). وتنبّأ في ذات الحوار، وهو الروائي، بموت الرواية بعد عشرين أو ثلاثين عاما ليبقي الشعر.
قد يحدث أن تسقط المدن أثناء الحروب كما سقطت بغداد ولكن لم أكن أحسب قبل رحيل محمد شكري أن مدينة قد تسقط بسقوط رجل. لقد سقطت مدينة طنجة برحيل شكري، لم يكن محمد شكري مجرّد كاتب يسكن مدينة، لقد كانت طنجة هي التي تسكنه، وقد جعلت منها أعماله الأدبية وسيرته الذاتية تحديدا مدينة عجائبية ولكن طنجة أصبحت اليوم توحي بالانتحار لمن لا يستطيع مغادرتها (11). هكذا وقّع محمد شكري مصيره في المكان ومصير المكان فيه.
إنّ التفاتة خاطفة إلي حياة محمد شكري تجعلنا نطرح السؤال:
هل خسر الرجل بموتـه شيئا؟!!
إنّ ثراء الحياة التي عاشها محمد شكري تجعله أكثر الكتّاب حظّا، فقد كانت طفولته زاخرة بالمشاعر وبضروب المغامرة، احترف فيها كل مهن الشوارع الخلفيّة، باع الصحف، مسح الأحذية، عمل في الحانات والمقاهي، سرق، غنّي، ارتاد دور الدعارة، اشتغل دليلا سياحيا طفيليّا… وفي كهولته قهر أمّيته وتحدّي منجز نفسه التي ارتكبها القدر في حقّه، جرّب الجنون ودخل مستشفي الأمراض العصبيّة (1963)… عرف كبار الأدباء والمفكّرين ؛ جان جينيه، بول بولز، تينسي وليامز… عاش الحياة الحق ليكتب عنها بحقّ.. فهل نملك حياة بهذا الثّراء؟!!
يحضرني مقطع من مقدّمة محمد برّادة لمجموعة لمحمد شكري مجنون الورد ، علي العكس من معظم كتّابنا الآخرين، تعلّم محمد شكري لغة الأشياء العارية القاسية، قبل أن يتعلّم الكلمات المعبّرة لذلك تظل حياته اليومية هي الأساس، وتغدو الكتابة بالنسبة له إدمانا جزئيا يرفض أن يجعل منه قناعا للتجميل أو مطيّة للارتقاء في السلم الاجتماعي (12).
لقد عاش محمد شكري ورحل، لكن رحيلهُ ظل رحيلا فيزيقيا، رحيل جسد يعلم أنه مجرّد عرض، ليظلّ حيا في قلوب مريديه وعقولهم، عشرات العشرات من الأطروحات الجامعيّة التي واجهت أعماله الخالدة في معظم كلّيات العالم ولا يزال بعضها في طور الإنجاز. يكفي أن ترسم اسمه علي إحدي المحوّلات في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) لتنهال عليك الأبحاث والمقالات حول الرجل الأسطورة.
الموت لا يأتي إلاّ للنهاريين الذين يأكلون وينامون مثل البغال وإن كتبوا.. أمّا الكائنات الليليّة مثل محمد شكري فيُقْهَرَ تحت أقدامها الموت ويعلن طاعته. ها أنا أنهي قراءة قصّته الكلام عن الذباب ممنوع بقوله : كان باب عالم الصمت الأبدي مفتوحا. عندما دخلت صفعني هواء ليل آخر. معطر وبارد. فتح باب منزل صغير وظهر شخصان قويان، عملاقان وثيابهما سوداء (13).
هزّتني العبارات والصور وتمتمت: هل هكذا استقبلْت أيّها الكاتب العاري؟!! .
يباغتني صوت محمد الماغوط من أعماق شرياني المفتوح:
أحـبّ أن أرثـي ذلـك الـرجــل ـ وأنـا مشـوّه وطـريـد ـ في تلك الأقاليم الغائمة حيث الجيادُ تصهل
والقمرُ يشبّ كالحيوان خـارج الوطـن
أحـبّ أن أرثـي ذلـك الـرجــل ـ أن أحمـل نعشـه بيـدي كاللحافـه .
توفي محمد شكري بعد 68 سنة من الأوجاع والعطاء يوم السبت 2003/11/15بعد صراع طويل مع السرطان، أسقطه علي أحد أسرّة المستشفي العسكري بالرباط وتحديدا في العمارة رقم 4. كان شكري قد قضي ليلته الأخيرة في سعادة كبيرة مع أصدقائه: عبد الحميد عقّار، حسن نجمي وكمال الخمليشي.
قيل أن محمد شكري كان وهو في رقدته الأخيرة في المستشفي يصارع السرطان من حين إلي آخر يعود إلي دفتر صغير قرب وسادته ليسجّل عليه بعض الانطباعات ولكنّ الأوجاع عادت إليه مع الفجر ورافقته إلي الساعة التاسعة ليدخل في غيبوبة حملته إلي الملكوت الأعلي. أوصي شكري بمقتنياته إلي وزارة الثقافة ولكنّه لم ينس خادمته فتحية التي خصّها بمبلغ شهريّ تحصل عليه من أحد البنوك وهو ما يكفيها لما تبقّي من حياتها ، هكذا وقّع الشحرور آخر أنغام نبله. وهكذا سيتركنا ننتظر آخر ما خطه وهو علي سرير الموت.منذ مدة قصيرة نشرت مجلة بطنجة مسرحيته الطلقة الأخيرة التي كان تحدث عنها كثيرا ورغم أن لنا موقفا مما كتبه في المسرح ليس هذا مجال طرحه فإن نشر المسرحية في هذا الوقت يعتبر أمرا حسنا حتي توثّق أعمال الراحل الذي صدقت نبوءته، فقد كان خائفا من هجمة التتار الدموي إخوة الكاتب علي ممتلكاته وبيعها بعد وفاته وها هو المتحف الذي ظل يحلم به ما زال حلما /متحف أراد أن يجمع فيه مقتنياته الكثيرة من كتب نادرة بإمضاء أصحابها ممن عرف من الكتاب والمشاهير وغيره من الأشياء الثمينة التي كانت تزين بيت اللقلق من لوحات وهدايا.
فهل تتكفل وزارة الثقافة المغربية بتجميع مؤلفات الرجل في مجلد واحد أو مجلدين مثلما سبق وفعلت مع صديقه محمد زفزاف وتعمل علي تجميع رسائله إلي أدونيس والربيعي وزفزاف ومحمد عزالدين التازي ليكتمل الصورة التي بدأ رسمها محمد برادة في ورد ورماد ؟
أقرأ الآن ما كتبه عبد الرحمان مجيد الربيعي عنه من أنه اختار الهامش ووجد نفسه فيه واطمأن الي حياته بين أناس القاع مما اضطره لأن يكون ماهرا إلي أبعد حد في استعمال السكين فكأنه أحد أبطال قصة من قصص بورخيس، وكان لا يصعد إلي شقته إلا والسكين بيده متوقعا أن يجد لصا ينتظره في باب شقته مجلة مجرّة ص39.
كم سيحتاج الكاتب العربي الحقيقي اليوم من سكّين حتّي يأْمَن غدر الأعداء والحسّاد والعيّارين وقطّاع طرق الإبداع؟! سكين شكري قد يكون أنقذه من غدر اللصوص الصغار لكنه ظل يُنهبُ من الكل حتي بعد وفاته وأقسي السرقات تلك التي تأتي من المقرّبين لصوص الدم والسلالة وتجربته تشجّع كل كاتب عربي ملعون أن يستحضر قبل وفاته دستور جده ابن رشد ويحرق كل ما كتب أو يتبرع بمستحقاته إلي جهنّم ما دام الأقربون هم الجحيم. وعن السرقات التي تعرض لها يقول في أحد أهم حواراته ردا علي الزبير بن بشتي الذي سأله عن سبب اشتراطه للأموال علي بعض محاوريه ربما إلحاحي وتشبثي بأن كل حوار ـ سواء كان أجنبيا أو عربيا ـ يجب أن أتقاضي عنه مقابلا ماديا هو إعادة اعتبار لما أخذ أو سرق مني؛ فأنا قد استغللت استغلالا كبيرا من طرف مؤسسات النشر الأجنبية والعربية: الاسبانية، الفرنسية، الايطالية، البرازيلية وغيرها. أما العربية فسهيل إدريس نشر مجموعتي القصصية مجنون الورد (1979) ولم أستلم منه سوي تسبيق عن طريق محمد برادة، فحتّي الآن لم يجر معي أية حسابات عن عدد الطبعات والمبيعات. ونفس المجموعة نشرتها مؤسسة الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة (1997ـ الطبعة الثانية) دون استشارتي. كيف يعقل أن مؤسسة رسمية تنتمي إلي بلد عريق في الحضارة تقوم بمثل هذا العمل غير الأخلاقي والقرصني (نسبة الي القرصنة) .
ولكنه يستدرك بعد ذلك ليكشف عن حساسيته الشديدة وروحه الجميلة أصبحت أطلب المبلغ الذي أستحقه سواء من القناة الأولي أو الثانية. أريد أن أستفيد من شهرتي أجنبية كانت أو عربية أو مغربية. نعم، أطالبها بدفع المستحقات إن كانت تموّلها أجهزة تجارية. أما إذا كان الصحافي مبتدئا وينتمي لجريدة أو مجلة لها انتشار محدود فقد أدعوه إلي مائدة الطعام .
شبّهه هشام شرابي بجان جينيه العرب وقال أنه جاء قبل أوانه ولكنه كان يصر أنه سيكون ذاته دائما ولن يقلّد أحدا بل إنه كان يرفض أي وصاية حتي لو كانت من صديق عمره محمد برادة الذي كان يراسله دائما ويخبره بآخر كتاباته فيقول في رسالة إلي صديقه محمد عزالدين التازي وردت في كتابه محمد شكري كاتب من زماننا كل الذين نصحوني رميت بنصائحهم إلي القمامة… هؤلاء يمثلون دور الأب في حياة الآخرين، وأنا قتلت أبي بالمعني الرمزي، ولا أسمع إلا إلي تلك القطط التي تموء داخل رأسي هكذا يدّون ابن الهامش مركزية نصّه. ألم يصفه الياس الخوري بـ الهامش الذي يكتب في الهامش وعنه ؟
خذل محمد شكري تينسي وليامز وكذب نبوءته الساخرة عندما قال لقد بدأت سيرتك الذاتية بالبكاء… ها ها ها… لا بدّ أن تنهيها وأنت صامت، إنّ ما يبدأ بالحزن لا بدّ أن ينتهي بالحزن فقد أنهاها شكري ساخرا من الموت بشهادة من كان يزوره حتي أنه تروي عنه قصة طريفة عندما قال أن السرطان يخشي أن يصل دماغه لأنه يعلم أنه دماغ عبقري… وقال لطلحة جبريل هاتفيا كنت أفضّل أن أضرب الرقم القياسي في مبيعات الكتب ليس في مرض السرطان الذي أصاب ثلاثة أعضاء من جسمي.. هذا مرض تافه.. أظن أن المرض أخطأ عندما اختار شكري من المؤكد أنه سيندم.. ربما اعتقد أنني دجاجة بشرية… لا أعرف من الذي يضحك ويسخر من الآخر أنا أم المرض؟
قضي محمد شكري جلّ حياته الأدبية يلاحق ذاته ويرمم ما تصدّع منها وباحثا عمّا نهب من طفولته، سلاحه في ذلك قلم مارق فهل عرف فعلا حقيقة حياته؟ يجيب كونديرا علي سؤالنا بحزم نموت دون أن نعرف ما عشناه ويقول هنري مللر من المستحيل أن يعرف الانسان نفسه تمام المعرفة، إذ تظل ذات الانسان، وبشكل ما سرّا مغلقا بالنسبة إليه فثمة فرق كبير بين ما نعيشه وما نكتبه عن تلك العيشة المرذولة أو الجميلة حتي لو كان ما نكتبه من المذكرات واليوميات والسيرة الذاتية لأن حياة الفرد أكثر تعقيدا من كل ما نتصوّر فالإنسان يظل لغز نفسه حتي آخر لحظة من عمره وحسبه أن يسأل ويبحث وذلك ليس بالأمر الهيّن فكم من الناس من باغتهم الموت وكل ما فعلوه طوال حيواتهم الطويلة: أكل الخبز والمشي في الأسواق.
ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان، هذا ما عرفه شكري من خلال تجربته التي لم تكن أبدا حافية فنحر أمّيته في سن متأخرة وهزم قدر المحلّية وأربك كل الباحثين والنقاد الذين اختزلوا تجربته في الخبز الحافي وأسطورة الكاتب القادم من الأمية عندما خرج عليهم بكتابه غواية الشحرور الأبيض ذلك الكتاب المعلّم والدرس النقدي في قراءة الأدب بشمولية عجيبة متشعبة المراجع والمنابع.
وها هي الباحثة الأمريكية ساندرا ملبورن تعيد له الاعتبار في أطروحتها لتدين بول بوولز الذي قدّمه إلي العالم الغربي بصفته حكواتيا أميا مثله مثل محمد المرابط الذي روي له سيرته شفويا وكتبها هو بالانكليزية وهو مشروع جمع فيه بول بوولز الحكايات الشعبية من الأميين المغاربة… فمتي يعيد النقد العربي قراءته لتراث شكري الغني بعيدا عن الآراء المسبقة وبعيدا عن الاتهام والتكفير؟

ظل محمد شكري كاتبا صريحا حتي الإيلام ومات ناقدا للبهموت و الثقفوت العربيين وسدنة التكفير من أجل حفنة من الدولارات المضمّخة بالبترول هكذا عاش وهكذا مات رافعا أنفه حتي حتفه ليبقي مثل شانغ يانغ أحد مخلوقات بورخيس العجيبة ذلك الطائر الذي يأتي بالمطر. فامطري يا سماء بنصّه الأخير ما دمت عاجزة علي أن تمطري بشكري جديد.. في انتظار ذلك نقرأ مثلما نشرب نخب انتصاره علي الموت في ذكري رحيله . ونتابع العنف علي الشاطئ ومجنون الورد بخيمته في أوج السعادة يحلم بشحرور أبيض في منقاره خبزا حافيا والشطّار من حوله بوجوه من حديد يسألون أين خبّأ العبقري استارناكوس فيُخرج إليهم ساخرا طلقته الأخيرة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s