محمد العريبي في البحث عن البوهيمي الأول

537584_10151561807849874_1443337120_n
كمال الرياحي . تونس
مازالت سنوات الثلاثينات من القرن العشرين تمثل الفترة الذهبية للثقافة التونسية التي نسجتها وجوه فنية وأدبية رائدة تمكنت من فرض نفسها رغم سياسة التغريب التي حاول ارساءها المستعمر الفرنسي، وكانت جماعة تحت السور واحدة من أهم المكونات الرئيسة لتلك الثقافة التونسية المتأصلة في تراثها والمجنحة بانفتاحها على ثقافة الآخر وخاصة منها الضفة المقابلة من المتوسط.
ولئن ظفر بعض وجوه تلك الجماعة بالاعتراف والتكريم حتى بعد عقود ـ الشابي، علي الدوعاجي، بيرم التونسي، خريف، البشروش،عبد الرزاق كاراباكة، فإن عددا من تلك الجماعة المؤسسة ظل عالمهم ومنتجهم مجاهل غفلا للتونسيين والعرب. القاص والشاعر محمد العريبي من أهم تلك الوجوه المنسية رغم قيمته الكبيرة ضمن هذه الجماعة.
الحياة الشقية والموت التراجيدي
انقطع محمد العريبي عن الدراسة بجامع الزيتونة دون أن يحصل على شهادة ” التحصيل” بعد أن درس في مدرسة فرانكو عربية وقد جاء انقطاعه عن الدراسة بعد التحاقه بجماعة تحت السور التي عرفه عليها زعيمها القاص والمسرحي علي الدوعاجي .
وكان محمد العريبي المولود ب1 مارس سنة 1915 من عائلة تعود أصولها إلى الجزائر قد عرف الفقر والحرمان بعد ان سقط في اليتم المبكر ويرجح بعض النقاد أنه أحد الأسباب التي دفعته إلى ترك جامع الزيتونة للبحث عن عمل في أحد المتاجر بينما يرجح البعض الآخر أن طبيعته البوهيمية هي التي كانت وراء انقطاعه عن التعليم حيث كان لاجواء الفن والعوالم السرية في حومة باب سويقة مع جماعة تحت السور الأثر الأكبر في اختياراته الحياتية.
لم يستمر محمد العريبي طويلا في عمله ليقتحم عالم الصحافة مع زين العابدين السنوسي احد زعماء جماعة تحت السور ليشتغل معه في مجلته ” العالم الادبي”. وكان يمضي مقالاته باسم “ابن تومرت”.
وكان محمد العريبي صحفيا بارعا وسليط اللسان وقلما مقاوما مما دفع بالمستعمر الفرنسي إلى اعتقاله في احداث 9 أفريل 1938 وزج به في السجن وظلت السلطات الفرنسية تنقله من سجن الى سجن لمدة سبعة أشهر حتى أفرج عنه فعاد إلى عالم الصحافة ليترأس تحرير جريدة”الزمان” قبل أن يقتحم الصحافة الإذاعية.
ضاقت البلاد بصاحب”قشع روح” الشخصية الجامحة والحالمة فاستغل علاقته بأحد الضباط الفرنسيين ليسافر إلى افريقيا والكونجو تحديدا ويشتغل هناك في الإذاعة ببرازافيلا ، وهناك كتب محمد العريبي قصصا تعبق بعوالم افريقية نادرة.
وقبل أن ينزل بفرنسا مر محمد العريبي بالمكان الرحمي الاول لأسرته : الجزائر لكنه لم يتأقلم جيدا فغادرها بسرعة نحو باريس أين اشتغل بالاذاعة هناك وتعرف على “فالنتين” الفتاة الفرنسية المسيحية التي عاش معها حياته البوهيمية كما أرادها ، تلك الحياة التي أنهت حياته ليلة 25 ديسمبر 1946 منتحرا بالغاز بعد سهرة صاخبة ودفن بمقبرة بوبيني الاسلامية بباريس.
أديب الحياة
لا يمكن أن نفصل حياة محمد العريبي عن أدبه فقد كان يعيش ما يكتب ويكتب ما يعيش فعلا،فانتصر في أدبه للحظة ولليومي واختار أجناسا أدبية لصيقة بالحياة كالمذكرات واليوميات وجعل نصوصه تأخذ بعدا قصصيا مما يرشحه ليكون رائد التخييل الذاتي العربي، فكتب محمد العريبي تجاربه وحياته الحميمية لكن عبقريته الأدبية جعلته يقدم ذلك اليومي كقطع أدبية راقية. وإن بحثنا عن معادل له في عالم العربي فلن نجد سوى محمد شكري وفي الأدب الغربي سوى الأمريكي تشارلز بوكوفسكي.
يقول عنه الجامعي د منير الفلاح” ما يمتاز به محمد العريبي عن غيره من جماعة تحت السور هو انخراطه الواعي في”الهامشية” واتخاذها منطلقا لبلورة رؤيته الخاصة في الأدب والحياة على خد السواء” ويرفع الفلاح الهامشية الى مستوى الخيار الاستراتيجي للعريبي فهو لم يكتف بانخراطه حياتيا في عالم المهمشين وفضاءاته بل حتى في كتابته اختار الأنواع والأجناس الأدبية الهامشية كالرسالة واليوميات والمذكرات وهي الأنواع اللصيقة بحياة المهمشين خلافا للأشكال السردية الكبرى “كالحكاية والرواية والأقصوصة”.
هذه الجرأة في تطويع الأقلي من الأنواع الأدبية عاضدته جرأة في الأسلوب وفي اللغة فكان العريبي جريئا في اختبار العامية التونسية في نصوصه ضمن السرد والحوار مما جعل نصوصه قريبة جدا من القارئ العادي حتى في أقصى معانيها الفلسفية. ويذكر أن العريبي كان متأثرا ببودلير وبأندري جيد وهما من الشعراء والروائيين البوهيميين وقد جربا الكتابة الاوتوبيوغرافية نفسها التي يحبذها العريبي.
التراث الضائع
باسثناء مجموعة قصصية يتيمة بعنوان “الرماد” التي جمعها وقدمها محمد الهادي بن صالح فإن تراث العريبي ظل مشتتا في الصحف والمجلات وتركن مخطوطاته هنا وهناك بعضها عند عائلة كانت تقاطعه بسبب حياته البوهيمية وبعضها الآخر عند بعض الباحثين ولم يظهر من مذكراته التي كتبها بالفرنسية إلا نصوصا قليلة بمجلة الحياة الثقافية كان قد نقلها فتحي اللواتي إلى العربية.
ولا نكاد نعثر له عن صور إلا مهترئة بملامح غائمة تزيد من غموض هذه الشخصية وقد كان من حسن حضنا أن يلتفت الرسام التونسي المقيم بايطاليا ؛ منصف الرياحي ، إليه لينجز بورتيه للعريبي ضمن مشروعه الفني في احياء الذاكرة الثقافية التونسية من خلال وجوه روادها.
إن محمد العريبي الغنية من طفولة مؤلمة وشباب مغامر وسنوات مقاومة وسجن وترحال نحو افريقيا وأوروبا في فترة تاريخية حاسمة من تاريخ تونس وتاريخ العالم ونهايته التراجيدية ترشحه ليكون شخصية سينمائية جديرة بمقاربة سينمائية من شأنها أن تعطي فكرة على تحولات المجتمع التونسي والعربي والافريقي .
كما أن أعماله القصصية والمسرحية مؤهلة لتكون مادة سينمائية كما كانت اعمال الدوعاجي والبشير خريف لكن عدم تجميع تلك المدونة حال دون المضي بها نحو حضور فني آخر ، وقد كتب العريبي المقال و القصة والمذكرات والمسرحية والشعر بالعربية والفرنسية والأغاني
قبل كل هذا نتمنى أن يسترد رفاته ويدفن في وطنه كأحد أعلام الثقافة التونسية فقد عاش العريبي غريبا ومات غريبا .وكأنه في آخر حياته كان يستشعر هذا الإهمال فكتب أغنيته الشهيرة
“يا لندرا مازالش اسمي يذكر ***يا لندرا مازال من يتفكر؟”
ــــــــــــــــ
شكر خاص للفنان التونسي المهاجر منصف الرياحي صاحب اللوحة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s