رواية “جميلة” لجينكيز ايتماتوف درب العشق والخيانة. نجاة الذهبي

 

تتعد لوحة “الأمهات الأخوات” 1967 للفنان الروسي مايسنكا اللوحة الأكثر شهرة في تاريخ الفن التشكيلي الروسي، تلك التي استغرقته أكثر من عشرون عاما ليتمّها. ومازالت هذه اللوحة الى حدّ هذا اليوم تسرد حكايات الوهن والانتظار في وجوه مجموعة من النسوة رُصّفن على مساحة اللوحة بحرفية عالية اذ يقفن حول عمود كهربائي على خطّ واحد وسط طريق ترابيّ واسع، رياح جافة، أنظارهن نحو جنديّ يقف في مواجهتهن تحمل انفعالات الحيرة والوداع والشوق… ولأن الادب الروسي قد تأثّر هو الآخر بالمشهد الشعبي للبلاد فقد قدّم مشاهد مستوحاة من الطبيعة الروسية ومن الحياة اليومية للريفيات، وكان ذلك عبر استعمال لغة بسيطة “تمسّ قلب كلّ من لديه قلب” ، تماما كالكاتب القرغيزي جينكيز ايتماتوف، الذي يرسم رواياته بالكلمات.

و”جميلة” احدى روايته الصادرة سنة اربعة عشر والفين في ترجمتها العربية لهقال يوسف عن دار الساقي في بيروت. هي رواية تدور أحداثها في ريف بلدة صغيرة في كازاخستان أثناء الحرب، تصوّر قصة حبّ جمعت جميلة الريفية زوجة أحد الغائبين في الجبهة ودانيار الجندي المصاب والوافد حديثا الى القرية، ولأن الحرب وبالذات “ليست القصة التي تحكى قبل النوم… “بكلّ بساطة” ” فأِن للحب حكاية يجب أن تُروى في كل الأزمة.

اللوحة التي لم تكتمل قط

يقول الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي ” الالوان هي لوحة المفاتيح والعيون ما هي الا نغمات، والروح هي البيانو الخاص بنا، أما الفنان فهي اليد التي تلمس المفتاح لتسبب الاهتزاز في اعماق الروح”. سعيد كان تلك اليد الطفولية التي رسمت معالم الفضاء والشخصيات في لوحة لم تكتمل قط، لوحة “جميلة ودانيار”.

ومن تلك اللوحة أيضا، يبدأ الكاتب بتحديد فضاء روايته البسيط ” بساطة الارض المصوّرة فيه” والذي يخضع الى الموضوع الروسي الأكثر تداولا “الحياة الفلاّحية”، حيث صُوّرت الرومانسية الروسية في مناظرها الطبيعية الأكثر كآبة وبؤسا مع سحر عجيب، “جانب من سماء خريفية باهتة. الريح تطارد سحبا بلقاء عجولة فوق سلسلة جبلية بعيدة… سهبُ شيح أحمر، ودرب أسود لم يجفّ بعد… على جانبي الطريق تزدحم شجيرات صحراوية يابسة محطّمة…تمتد آثار أقدام مسَافرين” وهذه هي القصة كلّها.

11Jamele

يتعمّق الكاتب على امتداد الرواية في وصف مشاهد من الريف بدقة متناهية ليحتفي بمزاجية الطبيعة وتقلّبها فهي حينا “كفوهة تنّور مشتعل…” وحينا آخر “منعشة”. ومرّة أخرى ” مخيفة” و”متلوّنة بازدحام مبهج… ليقدّم بذلك تجاد

لات فكريّة حادة تحرّك المَشاهِد وتخاطب المشاعر بقوّة عبر سرد معاناة الناس القريبة من الأرض أثناء موسم الحصاد في الصيف وخلال تجميع ونقل المحاصيل . فبين النهر والجبال والسهوب حكاية عشق وطن، وبين البيت والحقل والبيادر رحلة كفاح، وبين المحطة وتقاطع الطرق يكمن الخلاص؛ في الحب او الحرب، الأمران سيّان.

الحسناء والقباضاي

يقدّم الراوي سعيد شخصية جميلة، الشخصية الرئيسية في الرواية، على أنّها الفتاة الريفيّة الحسناء، الحماسية والمشاكسة ” فقد كانت ممشوقة القوام، ذات شعر خشن…وبشرة سمراء ناعمة… كانت عيناها اللوزيتان السوداوان الضاربتان الى الزرقة تلمعان بحماسة الشباب، ولكن حين تشرع بإنشاد أغان ريفية حزينة فانّ عينيها الجميلتين كانتا تومضان ببريق كئيب”. ورغم هذا الوصف الأنثوي الناعم الا أنّ جميلة تحمل جملة من المتناقضات الغريبة في شخصية واحدة، فهي الانثى الفاتنة سليطة اللسان ، وهي الرجل القوي الذي لا يكلّ العمل في الحقول، وهي أيضا الزوجة التي سـظلّ ” زوجة جنديّ مائة عام”؛ ولم تظلّ؛ وهي أخيرا العاشقة التي ضحّت بكلّ ما تملك فداءا لمشاعرها.

الحب إذن، سيقول كلمته النهائية دائما، حتى مع ذلك الشخص الغامض الذي أصيب في الحرب واستقرّ في القرية بعد أن “شرّدته الحياة في شتى الأصقاع كنبات الحرمل”، دانيار، لا يُعرف له قريب ولا يُسمع له صوت ولا يُفكّ له شيفرة، الى حدّ تلك اللحظة التي غنى فيها وتغيّر كلّ شيء. هو شاب في مقتبل العمر تلخّصت في ملامحه وطأة الحرب وتجلّت في أغانيه الرغبة في الحياة اذ “لم يكن في مقدور شخص خلي البال أن يغني على هذا النحو مهما كان صوته جميلا”.

025060تكتمل اذن الصورة المرسومة حكائيّا في شكلها الآسر مع الشخصيات الثلاث التي صنعت الاحداث وحرّكتها؛ مع “سعيد” الطفل المصوّر والغيور الذي بارك الحبّ ورسمه، “جميلة” الانثى التي خُلقت لتُعشق، و”دانيار” العاشق الذي غنى لأجل الحياة. وكلّ ما عاداهم عاش بين “الأمهات ..الأخوات”؛ الأم – الام الصغرى- عثمان- اوروزمات- صادق- القرويات- الفلاحين وغيرهم كثير.. ليس من معنى للرواية الاّ بين صدى صوت ادريان وتلوّن حركات جسد جميلة، انّه تماما ذلك “الشيء الآخر الاكثر أهمية الذي يخرج من الأعماق… شيء قادر على بعث أخفى سرائر الانسان”.

يكتب ايتماتوف قصة الشغف الممكنة، تلك التي لم يتوقعها مايسنكا طوال سنواتِ رسمه للوحته الشهيرة، لتكون بذلك رواية “جميلة” اللوحة التي لم يرسمها التاريخ الروسي قط، وربما لن يرسمها اطلاقا. وبالرغم من أن الفنانين يشتركان في تجربتهما الحياتية من فقدان للأحبة ومعاناة منذ الطفولة في العمل داخل الحقول، فان ايتماتوف فضّل أن يتذكّر الألوان الريفية التي ولّدت الحبّ وشرّعت الخيانة لأجل انتصاره من خلال جمع عاشقين “على درب خريفيّ سهبيّ وأمامهما أفق مشرق شاسع”، ذلك الدرب نفسه الذي وقفت عليه “الامهات الاخوات” بسحنة رمادية ينتظرن سندهن المفقود ويؤبّدن مشاعر الاخلاص والاغتراب والوحدة ليتركن الحياة وراءهن.

 ــــــــ

نجاة الذهبي  رسامة واستاذة جامعية في الفن التشكيلي

مقال في صياغة أولى    بورشة بيت الخيال  ادارة كمال الرياحي

Advertisements
صورة | هذا المنشور نشر في نماذج من نصوص سكان البيت. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s