شهادة لحسن نصر على الثورة التونسية رواية “مااجمل البحر” أيمان نفزاوي

10685399_801635259913873_40627017686996276_n-1

ايمان النفزاوي ورشة بيت الخيال

يقول طه حسين عن ادب ثورة الضباط الاحرار في مصر “ان كتابة الثورة او الكتابة عنها مختلفان ولكنهما يلتقيان عند الكاتب الملتزم الذي يستطيع ان يزاوج بين الثورة كتجربة انسانية وبين الكتابة كملكة وقدرة على السفر بالواقع الى التخييل وتقديمه الى القراء الذين يمنحونه حيوات اخرى”. ويصنف ادب الثورات الى نوعين ادب يسبق الثورة ويدفع اليها وادب ياتي بعد الثورة فيصورها اولا ويصور اثارها في حياة الناس ثانيا .ولعل ما يعرف بالربيع العربي اجج هذا النمط من الادب وتعد الثورة التونسية خير مثال على ذلك .

فلقد دعت الحاجة الملحة للتعبير بعد ثورة 14جانفي الى تراكم انتاج ادبي كبير اختلف حول جودته شعرية كانت او قصصية. ويبدو ان الرواية هي الجنس الادبي الذي اخذ حيزا كبيرا. ويمكن تنزيل رواية “مااجمل البحر”” لحسن نصر” ,ضمن   النوع الثاني من الاعمال المندرجة ضمن تصويرالثورة التونسية, و تمتد على 152صفحة وصادرة سنة 2015عن دار الزخارف للنشر. رصد فيها الكاتب سيرورة الثورة التونسية منذ اندلاع شرارتها الاولى . و صور قلق الانسان التونسي والانسان العربي عموما حيال صيرورتها .                                                            

الاقدار المتشائلة

12032015_livreتعود الشخصيات بالذاكرة اربع سنوات, لتتذكر كل الاحداث التي مرت بها اليلاد التونسية منذ اندلاع الشرارة الاولى للثورة الى اخر اعتصام بالقصبة .فقد شارك الصديقان المتقاعدان “برهان الواعد “و”خليل ناجي” الحراك الثوري مع الشباب .فتعرف برهان الواعد على “ليلى” وهي امراة مثقفة وباحثة في علم النفس .والتقى “امين ماجر ” من جديد, بحبيبته السابقة سماح وهو مهندس فى الاعلامية و ناشط سري ضد النظام ,اكتشف امره واصبح محل مطاردة , لتعود مشاعره وتطفو على السطح من جديد .ورغم انه قد خسرها في الماضي بعد ان تزوجت نتيجة تردده في مصارحتها بحبه فانه بقي على نفس الموقف بعد ان التقى بها اثناء الثورة وكانت قد انفصلت عن زوجها . تبدو الرواية بسيطة في لغتها ولكنها لا تخلو من الدلالات العميقة .فمنذ البداية يطالعنا الكاتب بعنوان” ما اجمل البحر ” فنظن للوهلة الاولى الاولى انه سيتغنى بالبحر والطبيعة لما فيه من ايحاء باجواء رومانسية ومثالية وناعمة لنصطدم سريعا بان الكاتب يخاتلنا برواية واقعية توثيقية بل ومغرقة في الاجتماعية فنكتشف ان جمال ذلك البحر لم يكن ليتاتى من الهدوء الذي اوهمنا به بل من الامواج الثائرة لبحر الحراك الاجتماعي الذي شهدته البلاد التونسية والذي اصطلح عليه بالثورة , فنجده على امتداد الرواية ياحثا عن مفهومها ,فهي جسد يزرع بها الشعب روحه” فللثورة احاسيسها وكيانها فهي تتحول الى كائن حي ينبض بالحياة والحركة يؤثر في الناس ويتاثر بهم “. ولعل ضرورات اليعد التوثيقي والتاريخي للرواية اباحت له استعمال مصطلح ” ثورة “كما اصطلح عليه اجتماعيا وسياسيا رغم انه شكك فيها على لسان احدى شخصياته الحكيمة “برهان الواعد” في مطلع الباب الاول ليخلص منذ البداية الى انها” ضربة حظ”ليس الا . فيطالعنا بقلق وخوف من المستقبل الاجتماعي والسياسي المجهول للبلاد, وينتهي الى ,نهاية غامضة حائرة مترددة كمصير الثورة . ولقد الف الكاتب بين ثنائية النار والعواصف التي صدر بها الرواية في قصيدته النثرية ليبرق في اذهاننا مستعملا اسطورة “زيوس” و”بروموثيوس ” و”هرقليطس الغامض” فالعاصفة لا تطفئ النار بقدر ما تذكي لهيبها , ولا يمكن لها ان تنقلب الى سكون بل الى حيرة وقلق يزيدان من غربة الذات المفكرة والمدركة لواقعها والتي تحاول جاهدة ,ايجاد معنى لها في واقع سادت به الفوضى , “فلا الثورة انتصرت ولا نحن انتصرنا”و”سيستمر الحال على ذلك فترة اخرى من الزمن تطول اوتقصرالى ان تمر العاصفة ويعود كل شئ الى نصابه وتاخذ الحياة مجراها,وياتي بعد ذلك اخرون بطرق واساليب مختلفة من حيث تدري ولا تدري ليلعبوا عليك نفس الدور الذي هلك فيه من قبلهم “.

من التخييل الى التاريخ

12236945_769791896466021_847672089_oلقد عمد الكاتب الى سرد جملة من القصص التي تتزامن احداثها مع سيراحداث القصة الاطار ,بل وتتاثر ببعضها.فلم يكن لقاء “امين ماجر” “بسماح “من جديد الا وليد العمل السري الذي جمعهما لاسقاط نظام بن علي .وبذلك براوح الكاتب بين الواقعية والتخييل,فالشخصيات وان كانت محض خياله , فانه جعلها تتحرك في فضاءات تونسية بين شارع الحبيب بورقيبة والقصبة والعاصمة واحوازها, راصدا خيوط تطورها السردي في ازمنة محددة ومخصوصة لعل اهمها يوم هروب الرئيس.ونرى هذه الشخصيات التونسية في كل توتراتها النفسية معبرة عن مواقفها من الثورة في محاورات باطنية وكل شخصية بلغتها ,فنجد صوت الفيلسوف” خليل ناجي ” والفنان “برهان الواعد ” باحثين عن معنى الثورة التي    قد تكون “وثبة طائشة لم تكن متوقعة ولم تخطر على بال “,مركزا على الدور الرائد للمراة التونسية في شخصية “ليلى”وسماح “حاثا على اهمية ترابط الاجيال وتكاملها فالفيلسوف العجوز ينصح الشباب الثائر “بان هان لم يتعلم من هذه اللحظة كيف يكشف عن المجهول لن يتعلم بعد ذلك ابدا “.

ولئن تعدد الرواة في هذه الرواية فان العين الرقيبة هي عين الكاتب العالم بكل التفاصيل والذي عايش الاحداث عن قرب ليخرج بوظيفة الرواية من السرد والتخييل الى عمل روائي يخدم التاريخ ويقول حسن نصر على لسان احد شخصياته”نحن نعيش الحوادث الكبرى لنكون عليها شهودا ونحكيها بعد ذلك للناس الذين ياتون بعدنا ,مازلت اتذكر في طفولتي وقائع الحرب العالمية الثانية التي جرت بعض وقائعها في تونس واتذكر في شبابي ثورة الثامن عشر من جانفي الف وتسعمائة واثنبن وخمسون ضد المستعمر وغبرها واريد اليوم ان اكمل المشوار واعيش اطوار هذه الثورة الى نهايتها “, بل ويعود بنا الكاتب الى ابعد من ذلك ,الى ثورة علي بن غذاهم ويقارن طفرة الفنون الشعبية في تلك الحقبة بطفرة فنون الراب الشبابية ايام الثورة .وسبق لصاحب رواية “دار الباشا “ان التفت الى ثورة علي بن غذاهم في المجموعة القصصية “راس الديك “. لقد عمل على ترسيخ هذا النفس التاريخي بخيط درامي مشوق لتكون بذلك الرواية واقعية اجتماعية مائلة الى التاريخ وربما يعكس ذلك ايمانه بان الجنس الروائي مراة لعصره.حيث تحول فيها الكاتب من الاحتفاء بالثورة الى المساءلة القلقة والحائرة لان” ادب الثورة الحق لم يات وقته بعد حتى يتاح للثورة ان تحقق اهدافها ” كما ثبت ذلك لطه حسين من قبله .

اريانة 30 ديسمبر 2015

ورشة بيت الخيال ورش للكتابة النقدية والسردية يديرها الروائي والنقاد التونسي كمال الرياحي

Advertisements
صورة | هذا المنشور نشر في نماذج من نصوص سكان البيت. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s