مازلت دون رجل. . شيماء العبيدي . بورتريه مستقبلي بعد عشرين سنة

fabian-perez-peinture-femme-bar-verre-vinاليوم، بعد أن مر على نهديّ العديد و ترجّل بين ساقيّ عدد أكبر، مازلت دون رجل.

لم يتحقق حلمي بالموت المبكر في الثلاثين، و لم تنته مأساتي التي أعيشها في كلّ سنة يوم عيد ميلادي، أن أقف هكذا أمام المرآة و أتذكّر ما حفظته عن سيوران منذ عشرين سنة “أن لا نسامح أنفسنا لأنّنا ولدنا”.

هذه المرآة اللعينة التي لم تدعني يوما للتجمّل أمامها أو لأن أخدع نفسي، صار من الضروريّ كسرها.

لقد كانت، منذ اقتنيتها قبل عشرين سنة، شاهدة على كل تحولاتي النفسية والجسدية ، و قد كتمت كلّ اعترافاتي و مازالت تريد المزيد. أعلم أنّها تضحك اذا لمحت بريقا ما في عينيّ ينتصر اذا تحسست أمامها نهديّ و تأكّدت أنّهما مازالا بنفس الانتفاخ و الصمود. تلاحظ ندمي الشديد على قصي دوما لشعري، و تعلم أنّه كان قرارا اتخذته يوم آلمني كثيرا أحدهم بشدّه  بقوّة لحظة نشوة،  كنت حينها مجبرة على التضحية بواحد منهما :  الشّعر أو الجنس. كما تعلم أنّي أحب الجنس.

أحب هذه المرآة أيضا، فهي تخبرني اليوم و أنا في الثالثة والأربعين ، أنّني كما أنا بنفس الطول و الوزن، أنّي لازلت بفس الكتفين العريضين  الذان يعجبانني ع و نفس الرقبة  التي يغريني امتدادها،  بنفس النظرة، رغم النظّارات التي قاومت كثيرا ارتداءها حتى لا أصبح شبيهة بالأذكياء، لكن عبء الكتابة كان ثقيلا.

لم يزعجني يوما تكاثر التجاعيد في وجهي و بداية ظهورها على يديّ سنة تلو سنة، و لم أتنازل لحظة لا لمساحيق التجميل ولا لمنتوجات الجمال. فكيف لأحد أن يراني دون أن يتصفّح تاريخ التعب على ملامحي أو دون أن يحاول قراءته بلا جدوى.

أحب هذه المرآة، و لا أخفي عنها خوفي من أن تفضحني يوما، ولا أمنع نفسي من تخيلّ تلك اللحظة، يوم تنطق هذه المرآة اذا فاض بها كأس حكاياتي وتحدث العالم عما فعلته أو ما فعل بي.

ماذا لو حدثتهم عن تلك الفضيحة أثناء شغلي بالأمم المتحدة، وقد كان أول حلم أردت تحقيقه بعد دراستي للعلاقات الدولية، وقد تحقق وتبعثر في أول بعثة ميدانية لي لمخيم التونسيين بالجزائر بعد الحرب الأهلية التي فتكت بربع الشعب ودفعت بالربع ربعا الآخر الشتات بين المغرب و الجزائر وتركت النصف الباقي يتناحر لسنين طويلة،  وجدوني ليلتها في خيمة شاب جميل قد أغراني عزفه على آلة الناي.

لم يحز في نفسي حينها سوى أنني لم أكن قد عرفت اسمه بعد ، فتبادل الأسماء عندي كان آخر قواعد المضاجعة.

هل ستخبرهم عن قصة طردي من عملي الثاني بأحد منظمات حقوق الانسان، بعد أن استظهرت بشارة العمل في احدى بارات باريس عندما استوفيت كل نقودي و كنت أرغب في المزيد من الويسكي؟ و هل ستخبرهم أني لم أعد أستطيع كتابة حرف دون ويسكي؟

دعنا من كلّ هذا، ماذا لو حدثتهم عن تلك الوحشية التي تصرفت بها حين استدرجت فتاة الى مرحاض الملهى الليليّ الذي سهرنا فيه وكبّلتها هناك فقط لأنّها أعجبت رجلا وسيما كنت قد قررت قضاء الليلة معه، وفعلت ذلك بعد الحادثة دون أيّ شعور بالذنب .

rubens_mirrorسيتفاجؤون كثيرا بتلك القصص و غيرها. الوحيدة في العالم التي لن تتفاجئ هي صديقتي نورس، التي لم أنقطع عن مراسلتها منذ افترقنا محدّثة إياها أول بأول عن كل مأزق أجدني فيه. كنت أتحسس ضحكاتها الممزوجة بالدهشة و الحكمة في ردودها التي لا تتغير تقريبا لكني أحتاجها دوما. لا أنكر أنّ ثقتها الكبيرة فيّ وحبها المفرط لجنوني، كانا عاملين هامّين قد شجعاني على حب الخطإ والخطيئة. قد التقينا في العديد من البلدان كما اتفقنا منذ زمان و قد استقرت أخيرا في فينيزويلا و لم تلمني على عدم المكوث هناك طويلا فهي تعلم أنّي لا أستقر سوى على نار، كما تعلم أنّي مازلت أميل الى اليسار رغم البذخ الذي عشته ومازلت أريده، و أنّ التغير الاقتصادي المفاجئ في ذلك البلد الذي كان حلما في شبابي قد جعلني لا اطيق حتى الذهاب اليه.

مازالت نورس قليلة الحديث عن الرجال، و كأني بها تكتفي بمغامراتي الشقية كما تسميها دوما.

لن تستغرب نورس لكنّ الجميع سيتساءل:” كيف لأولادنا أن يقرأو لكاتبة بمثل هذا الماضي؟”  اخلعوا عنها جائزة ميشيما  للآداب” لست أدري إن كان أهلي سيسمعون عن الأمر، فهم لا يعرفون شيئا عن نجاحاتي منذ سنين لكن الخبر السيئ سريع الانتشار كما يقال.

يجب أن أعترف الآن أنّني فعلا بلا أخلاق و لن أحملها يحياتي يوما.

ها أنا في الثالثة والأربعين من عمري، وقد تحول الكحول إلى مكون رئيس  من جسمي. ها أنا وقد اشدت بي أزمات القلب التي تجاهلتها منذ الصغر. و مع كلّ ذلك، لم يحزّ في نفسي شيئ… سوى انقطاع الشهوة.

ــــــــ

نص بورتريه ورشة بيت الخيال  ادارة كمال الرياحي

اكتب نفسك بعد عشرين سنة  واطلق خيالك الفظيع  يرسمك

Advertisements
صورة | هذا المنشور نشر في غير مصنف. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s