طقس: أو شيزوفرانيا للجميع لشيماء العبيدي

10484501_316846855157773_3350942329440284488_n
بعد مهر الصياح، اشتهاء، صائد اليرقات و غيرها من الانتاجات الروائية، يصدر أمير تاج السر روايته الجديدة “طقس” لسنة 2015 عن دار مؤسسة قطر للنشر. رواية طقس و ان كانت ذات كاتب و ذات أمكنة و شخصيات سودانية، الا أنه يمكن اعتبارها تعبيرة عن فسيفساء العديد من المجتمعات خاصة منها العربية و المتهمة دوما بالفصام.

فهل كان فصام طقس مدخلا قادرا على التطرق لكل ما أراد الكاتب طرحه؟

1- تقنية التضمين أو فصام ضمن فصام:

كان من الممكن أو من الطبيعي أن نعيد قراءة طقس منذ بدايتها الى النهاية كأي أثر أدبيّ ، لولا لعبة تاج السر السردية التي تجبرنا على اعادةالقراءة ابتداء بآخر سطر.

تنتهي طقس بكشف مباغت عن فصام الراوي، لتعلن بكلّ بساطة أن العمل بأكمله ليس سوى نتاجا لهذيان الأنا السارد الذي اعتلى مسرحه و تقمص دور الكاتب الذي يروي قصة يكاد تسلسلها المنطقي اقناعنا بأن تلك هي أعلى درجات الوعي و ليس ماتفوه به فصامي في أعمق حالات هذيانه و أشدّها.

24257796تخللت طقس العديد من القصص التي ضمنها الكاتب ليخلق من أثره فسيفساء اجتماعية تحمل جميع أنماط الشخصيات باختلافاتها و تناقضاتها. و لكن تبقى كل هذه الحكايات الصغيرة، تدور حول فلك نيشان حمزة نيشان، الشخصية الرئيسية، ليس فقط في رواية الأنا الراوي “أمنيات الجوع” هذه الشخصية المصابة بمرض الفصام كما حدده النص و في الواقع كما الراوي نفسه ، لتكون بذلك طقس أو تقنية التضمين فيها، فصاما ضمن فصام.

هذا التضمين و ان بدا مكتضّا بالازدواجات إما على مستوى الشخصيات المتأرجحة بين جدلية النص و الواقع إما على مستوى الراوي الذي ينطق كلاما و يستبطن ضعفه، و ان كان أيضا محاولة للاجابة عن سؤال :”كيف نكتب مرضا نفسيا”، فهو لم يحد عن مساره المنطقيّ، و هو مايدل عن فهم عميق لتاج السر لمرض الفصام، حيث نجد نوعين من الهذيان يمتاز بهما هذا المرض قد تجلّيا بصفة واضحة في كتابة الرواية، أوّلهما الهذيان الذكي وهو كل ماتخيله الراوي و عايشه في ذهنه و هو مقيد في مستشفى الأمراض العقلية، حيث قام بسرد قصة، و ان كانت مستوحاة من العديد من الأعمال السينمائية و الابداعية الأخرى، لكنها كانت ذات تناسق مقنع و ترابط أفكار بحيل على وعي تام. أما القصة المضمنة والتي تحتوي فصام الشخصية الرئيسية، فقد كان ذلك الهذيان السلبي الذي يمتاز بتناقضات عدّة في الأفكار و يخترقه خلل يكاد يكون أقرب الى الجنون و الخبل. وهو ما عيشناه مع (ن.ح.ن) أو كما يحلو للراوي أن يسميه و الذي وصل به المرض الى أشدّه فنجده في لحضات لاوعيه يقوم بحركات كارثية.

كل هذه اللعب التي انتقاها تاج السر بحرص ظاهر ليؤثث نصه الروائي، تخلق من الطرافة ما يكفي لامتاع قارئ، لكنه يكشف أيضا من خلالها واقعا اجتماعيا و سياسيا لا شك أنه محل نقد.

واقع فصاميّ-2

تعج طقس بواقع نفسي مضطرب، ليس فقط على مستوى الشخصيات التي يحمل كل منها الأنا و نقيضه في آن واحد، و لكن على مستوى المجتمع و تركيبته أيضا، فنجد مجتمعا ذو طبقتين لا ثالث لهما وهو ما يظهر في وصف دقيق للأحياء المهمشة و الأحياء الراقية و ايقاع الحياة في كل منهما. وقد نجح أمير تاج السر في عدم التقوقع على حمزة نيشان ليكون لبقية الشخصيات أدوارا يعكس من خلالها الواقع السلبي الذي يعيشه الشباب في علاقتهم السطحية بالثقافة وانجذابهم الأعمى لتكنولوجيا الاتصال خاصة منها شبكات التواصل الاجتماعي، و ما يعيشه المهمشون من مشاكل تصل بالعمق الى حد الخيال و مايخلفه ذلك من علاقة سلبية مع السلطة بجميع أشكالها.

صحيح أن كل تلك الشخصيات قد أدت دورها النقدي ببراعة ، و لكن غياب دورها السردي أو الضبابية التي تحوم حوله، تطرح سؤالا عن مدى مجانية ادراجها في مجرى الرواية حيث لم يكن لها تأثير ولا تأثر بالشخصية الرئيسية وعلاقتها بها كانت مكانية بامتياز، أما عن الراوي فقد كان الوحيد الذي الذي التقى جميع الشخصيات دون استثناء، ليطرح من خلال لقاءاته معها، آراءه و أسئلته حول المجتمع و مكوناته و يطرح خاصة علاقته بالكتابة و بفعل التخييل في حد ذاته، و الذي وضعه بطريقة غير مباشرة موضع تنسيب.

-التخاطر أو نسبية الخيال عند تاج السر 3

اخترقت عبارة”تخاطر” الأثر بأكمله، و قد أرجع اليها الكاتب كل ماقد حدث له من متاعب، فلولا الرسالة الحسية التي بعث له بها حمزة نيشان، لما كتب أمنيات الجوع و لما وقع في فخ المقارنة بين النص و الواقع بعد أن تعرف على أشياء كان يظن أنها خيال محض.

لم يكتف الراوي بفكرة التخاطر كأحد الدوافع الرئيسية للكتابة، لكنه قام أيضا بكشف أسرار الكتب و الكتاب ليتحدث عن علاقتهم بالأماكن و الناس الذين يعترضونهم و قدرتهم على تحويلها الى شخصيات ينطلقون من معيشها اليومي، ليتدخل الخيال في مراحل متقدمة من السرد. ليكون الأثر في جانب منه مساءلة للكتّاب و اقرار بنسبية الخيال لديهم و حاجتهم الدائمة لما يغذي الذاكرة و ينميها ليكون الابداع مزيجا بين الواقع و المتخيّل.

تنزل طقس على قارئها بالكثير من المفاجآات و تقيده عنكبوية القصص المتشابكة لتخلعه أخيرا من الكابوس بكشف أن الهذيان هو كل ما كنا بصدد قراءته. فهل يمكن اعتبار طقس، بما أنها العمل الثاني في سنة 2015، هي أيضا دخول في مرحلة الهذيان الابداعي لدى تاج السر؟

ــــــــ

مقال في صياغة اولى بورشة بيت الخيال ادارة كمال الرياحي

Advertisements
صورة | هذا المنشور نشر في نماذج من نصوص سكان البيت. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s