عبد العزيز بركة ساكن ذلك الشيطان الاكبر. ابتسام قشوري

12011305_10206754273792255_8585038589615350956_nلم تكن قصة الشيطان دعابة او دعاية أومناورة انما كانت حقيقة اعتقدت فيها كل الناس حيث كانت السيدة مريم ترى ان الشيطان يصاحب ابنها عبد العزيز بركة ساكن او عبدو كما يحلو ان تناديه وهو الذى يملى ويحبر له كل تلك الكراسات والأوراق التى تملأ غرفته فمن المستحيل ان يكون ذلك الطفل الذى لم يتجاوز الثالثة عشرة هو الذى يروى كل تلك الحكايات ويكتب كل تلك الروايات ويقرأ كل تلك الكتب   اعجبت الفكرة عبد العزيز بركة ساكن وصدقها ولم يكتف بان يكون صديق الشيطان وإنما تلبس به وأصبح هو الشيطان نفسه.

اي نعم شيطان ..ولكنه شيطان جميل يطل عليك عبد العزيز بركة ساكن طويلا عملاقا كنهر النيل بسمرته الاصيلة كلون التراب والطين بملامحه الافريقية الحادة وبعيون تتقد ذكاء وبابتسامته العذبة يحييك بقبعته الايرلندية وبملابسه التى تفوح بالحياة بألوانها الزاهية كاتبا في المنفى في ريف فيننا بعد ما اطرد من جنته السودان محملا بروايات وقصص قصيرة ومسرحيات ومقالات ” زوج امراة الرصاص وابنته , الطواحين رواية الجنغو ذاكرة الخندريس العاشق البدوى الرجل الخراب وعلى هامش الارصفة وامراة من كومبودس وغيرها ورغم انه مارس العديد من المهن : خياط وبناء ومعلم وموظف في منظمات دولية مدير لأحدى المؤسسات البنكية تخلى عن كل تلك المهن واختار وظيفة الساحر كما يقول عنها وهي :الكتابة فهي مشروع حياته

كيف لا يكون كاتبا وهو الذى عاش قي غرفته الصغيرة بقرية القضارف مع قصص الرعب والخوف لادعارد الان بو وكتاب الف ليلة وليلة والترجمات الشعبية لأميل زولا وهيجو وتشارل ذكنز وروايات احسان عبد القدوس والاهم من ذلك المخيلة الشعبية السودانية الثرية المليئة بالعجائبية والسحرية فلا يمر اسبوع دون ان تعيش القرية حكاية عجيبة يصدقها الجميع فلا غرابة أن يكون ذلك الطفل التى اختطفته الجنية وذهبت به الى اهلها هو عبد العزيز ذاته وهي اول رواية يكتبها في سن مبكرة ولم يتجاوز الرابعة عشرة بعنوان” تحت النهر” يمكننى ان اقول اننى صنيعة طفولة ثرية وغنية وهي الى اليوم تردفنى بالحكايات والقصص والخيال الطلق وكثيرا ما ارى نفسي طفلا كبيرا يعبث بالأوراق بالحبر واللغة وبعض الجنون”

هو الشيطان لأنه المتمرد الذى اختار ان يكون حرا لان الحرية عنده اهم من الكتابة هو الحرّ لأته رفض ان يركع للحاكم والسلطان ورفض ان يكون بوق دعاية لايديولوجياتهم المتعفنة فكان الزبون الدائم للرقيب السودانى يمنعون كتبه من النشر والتداول ويهددونه بالسجن ليس لان كتاباته تخدش الحياء كما يدعون ولكن لأته اختار ان يتحدث عن ابناء طبقته من المهمشين والمنسيين : الفقراء والمرضى الشحاذين صانعات الخمور الداعرات المثليين المجانين العسكر المساقين الى مذابح المعارك والحروب المتشردين اولاد وبنات الحرام الجنغو العمال الموسميين الكتاب الفقراء الطلبة المشاكسين الانبياء الكذبة وكل الخييرين والخيرات من ابناء وطنه تحدث عنهم وتكلم بلهجاتهم المتنوعة وأوصل صوتهم الى العالم ففى رواية الجنغو مسامير الارض رغم محليتها فقد ترجمت الى لغات اجنبية وهي الرواية التى تدعو الى التسامح والحب رواية شعوب السودان كما يقول لان السودان ليس شعبا واحدا فهو متنوع الاعراق والاديان والتقاليد فكان مغامرا لانه كتب الرواية بلهجات شخصياتها المختلفة

تصدى في كل اعماله لوباء الحرب في السودان التى تعتبر اطول حرب في العالم الحديث فهي تستعل منذ العا 1955 قتل فيها في الجنوب ودارفور والنيل الازرق ما لا يقل عن اربع مليون نسمة وشرد الملايين ” صرخت في وجهها وساصرخ في وجهها وساظل صارخا الى ان تستحى منى وتموت او تنفذ صرختى واموت ..” ويظل هاجسه الوحيد هو الانحياز للواقع مازلت انحاز الى حيث انتمى :الشارع

هو الشيطان الكافر بكل تقاليد الرواية الكلاسيكية حيث يظل هاجسه الاول هو الشكل فبركة ساكن يتلاعب بكل التقنيات الرواية يجعل القارئ مشاركا فاعلا في العملية الابداعية يشاكسه يحدثه يكذب عليه و يماطله احيانا قيظل القارئ متوجسا يتابع بكل تركيز احداث الرواية

هو الشيطان الساحر الي يحب المرأة والجمال ولم يصلّ إلا للجسد تعتبر المرأة نقطة ضعفه تتربع المرأة على عرش كتاباته فهو يرى انها المقاتل الوحيد يعلمها الغواية يعلمها كيف تكون حرة نفسها فتجدها دائما في كل ما يكتب البطلة الفاعلة الغاوية المسيطرة المتمردة المتسلطة الحرة كأنها الصورة التى يريد ان يراها عليها ولا يفوت قارئ بركة ساكن ان يكتشف حبه لامه مريم ايقونة كل الازمان فهي نقطة ضعفه الانسانية .

هو الشيطان الاكبر لانه اختار لنفسه صفة الفاسد والمفسد والفسود الفسد اذ احب الناس اليه اضلّهم فالضالون هم وحدهم من يعرفون طرقا اخرى للرب غير طرق الهداية وهي سبيل بعيدة شاسعة مرعبة وعرة ولكن بها لذة ذاقوها وظلوا عليها وسوف لا يحيدون …..بركة ساكن هو الشيطان الاكبر لانه اختار الحرية طريقا للإبداع وانحاز للواقع وللشارع وللمهمشين تبقى جائزته الوحيدة اقبال القراء على كتاباته وحبهم الكبير له ولذلك كان دائما مدينا لصديقه الشيطان لذلك يكرمه في روايته الاخيرة الرجل الخراب ويهديه هذا العمل : “ولشخص له فضل كبير فيما اكتب :ألا وهو الشيطان الذى كان يشاطرنا بيتنا في القضارف والى وقت قريب كان يكتب لى الروايات ويقول لى ما لا ينقال “

ـ

ــــــ

بورتريه في صياغة أولى   خاص بورشة  “بيت الخيال” اشراف كمال الرياحي 

Advertisements
هذا المنشور نشر في نماذج من نصوص سكان البيت. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s