الرسالـــة 1095 نجاة الذهبي

284505_104345306408431_1276717297_nالأحد 2032.

الى السيد الخليفة الموقّر

أمابعد؛

هل تمزحون؟ أكيدة أنّكم تمزحون؟؟؟

من المؤكد أنّ اتصالكم سيدي ضرب من الجنون،… أيّها المجنون…

أعود؟ هل أعود ؟؟ بهذه البساطة تطلبون مني العودة ؟؟ كأنّ شيئا لم يحدث ؟ وكأنّني لم أُهَجَّرْ يوما؟

مستحيل أن أعود هكذا…

أو؟؟ لنعود؛ وللتتذُكّروا أيّها الكفّار:

منذ سبعة عشر عاما، أو ما يقلّ، قرّرتم أنّني لم أعد أصلح أن أكون تونسيّة، وأنّني عاهرة بَغَتْ بِفنّها وفجُرَتْ بلوحاتها، فأنا الأنثى الوحيدة التي جسّدت نساءكم عُراة ورسمت شهواتكم في باتشوورك بنهود أنثوية. في تلك الأيّام، قرّرتم اقامة جنازة ريشتي، أشعلتم النيران في صُوَري وأجسادي، وهتفتم “باسمك اللّهم” على رماد جثثي المرسومة، هلّلتم بالفتح المبين وبانتصاركم على أعداء الله… في تلك اللّحظات أيضا، لم يكن العدوّ سوى مجرّد ريشة مُلوَّنة وقلم محموم بالرسم والتصوير، ولم أصدّق حينها أنّكم تركتم كلّ الأعداء واعتبرتموني الأشدّ خطورة على دينكم… في صور.

اليوم، وأنا مازلت أرسم وأكتب أجسادا أشدّ عُرِياّْ، ها أنّ حضرة سيادتكم التقيّ يتصل بي في مكتبي بنيويورك، بكلّ وقاحة، ليطلب منّي أن أعود، لا كفنّانة تونسيّة رفضت الأفكار الرجعيّة التي نظَّرْتم لها وبدأتم في تطبيقها طوال العقدين الفارطين في تونستانكم العزيزة، بل تريدني أن أشارك في مهزلة عربية جديدة على اعتبار أنّها “المصالحة المنتظرة ” للمبدعين المغتربين الناجحين.

بالطبع أنا ناجحة، لهذا تستميتون لاستعادتي هناك، أنا صاحبة العمود الصحفي الأشهر هذه الأيام “رسالة من مومس الى أتقياء العالم” في الصحيفة الأكثر شعبية هنا “سكسو-ريشة“، ترغبون اليوم بشدّة أن أكون من جديد وجْهٌ لتونسية، على الرغم من أنّني أكثر فُجرا مما كنتم تتهمونني به في السابق. ألستُ من عَاشرتْ مُؤَخَّراتكم على ورق بقلم من رصاص لسنوات ؟ اليست وجوهكم هي ذاتها المرسومة على سطح لوحتي “كماسوترا الشيوخ” تلك التي تزيّن متحف الفنّ الايروتيكي بواشنطن منذ خمس سنوات كأهم اللوحات الاباحية لهذا العصر؟ ألَستُ صاحبة توقيع “جيجي لوسالوب ” تلك التي صوّرت استمناءكم للأكاذيب ألوانا وكلمات؟

أعــــــــــــــود؟؟

الى أين؟

527515_104354656407496_434537952_nالى وطن بلا ألوان، ومدينة بلا أصوات، وبيت بلا أم. الي والد متآمر يعتمر العمامة بين الجماعة ويتناول بناته كتَحْليَة على العشاء… أأعود الى ارض الخلافة المقدّسة أين قال لي شقيقي ذات مرّة “عليك بالتوبة عسى أن يرزقك الله بزوج يريحك مما أنت فيه”، لم يكن يعرف حينها أنّني قرّرت عدم الزواج منذ اكتشفت أنّني في قبائل لا يتقنون فنّ القـُـبلة، كان ذلك قبل ذلك بكثير حين امتلأ وجهي المراهق في ثواني باللعاب ولزمني أسبوعان لأتخلّص من رائحة لسان أحدكم العفن، ثم لزمني وقتا أطول لتقبيل كلّ شباب القرية لأكتشف أنّ أفواهكم وروائحكم متشابهة… كانت تكفيني قُبلة واحدة جيّدة بما يكفي لأستمر، غير أنكم علّمتوني أن أهجر… ها أنّ تلك الرائحة تتسرّب الى أنفي من جديد…

نعم سيدي، أنتم قوم لا تعرفون كيف تُقَبِّلــون، فقط تتناكحون وتُنكحون … تعلّموا كيف تُقبّلون وسأفكّر ربما في مسامحتكم؟ أعيدوا لي لوحاتي من الرماد وربما سأعود لأسترجاعهم؟

ولكن لن أعود، وهذا نهائي…

تحسّبا لاتصالكم بي في أيّ لحظة لكم مني قُبلة بيضاء على ورق

سلام…

ـــــــــــــــــــ

  • تطوي نجاة رسالتها بعناية فائقة وتضعها داخل المغلّف الأحمر راسمة على ملامحها ابتسامة ماكرة، ثم تأخذ ريشتها المضرّجة بالحبر الاسود وتقف مبتعدة بعض الخطوات الى الخلف وتمدّ يدها دائريّا في حركة واحدة لتترك لطخات متتابعة على كامل المكتب مرورا بوجه المغلّف. تعود مسرعة لتنظر بتمعّن الى نتيجة عملها وتختمه بإمضائها النهائي.

تدق على الجرس المحاذي للباب بإصرار فيطل عليها وجه بيتر الممتعض ليقول:

  • نعم؟؟ أوامرك مادام نجاة، رسالة أخرى؟
  • أرجوك، قلت لك للمرة الألف لا تدعوني بذلك الاسم، اسمي ماداموازال “جيجي لوسالوب” – تنظر اليه بكلّ صرامة من تحت نظاراتها السميكة وهي تشدّ بتكبّر خصلات بيضاء طويلة من شعرها وتبعدها ببطئ من على كتف سترتها البيضاء ، وتستطرد – لقد تبرّأ مني منذ سنوات… هاك الرسالة، انها مهمّة يجـــــــ…..
  • بالطبع بالطبع، سأتأكد من وصولها بنفسي وآتيك بالرد قريبا… بيتش (يهمهم بخفوت وهو ينظر اليها بغيض)..
  • أنا لا أقرأ الردود. – تنهمك في ترتيب المكتب متجاهلة نظرات بيتر – ولا أحب مظهرك الازرق، كان يجب عليّ أن أقيلك منذ زمن لرداءة ذوقك… لا أعرف أين هي فردة حذائي الأحمر؟ -تجول بنظرها باحثة – جيّد، ستكفيني واحدة.

يخرج بيتر مغلقا باب الغرفة الاوتوماتيكي دون أن تلاحظ هي ذلك، مواصلة انتعال حذائها بهدوء.

تمرّ بعض الساعات ليعود بيتر مبتسما حاملا مغلّفا ابيضا مفتوح:

  • هاك الردّ –ينظر الى الرسائل المكوّمة في آخر الغرفة- لا عليك، سأقرؤه لك بصوت عالي فأنا قد قرأته سلفا مع الجميع.

 

الأحد 2035

الى مادموازال جيجي لوسالوب

هذا هو الردّ الأخير

أما بعد،

ارجو التوقّف عن مراسلتي على أنني الشخص الذي اتصل بك هذا الصباح، وكلّ صباح. فأنا فاشل.

التوقيع: د. مايكل روبنسون (الى المقيمة بعنبر “الهلوسة الفنيّة الحادة ” غرفة 311 بمستشفى الامراض النفسية والعصبية بنيويورك ).

  • ····

تجلس باستقامة على كرسيّ مكتبها، تضع ريشتها في قنينة الحبر الأسود، تنزع عنها حذاءها الاحمر بأطراف أصابعها، ثم تمسك بقلمها وتنكب على الورقة بلهفة الردّ…

Advertisements
ملاحظة | هذا المنشور نشر في نماذج من نصوص سكان البيت. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s