الرواية لا دين لها

2007summer_terror-can-we-blame-religion_1920x1080_1.jpgكمال الرياحي إذا صدقنا الروائي التشيكي ميلان كونديرا بألا شيء يستثنى بعد اليوم من عالم الرواية فلماذا نحتج على أن يكون الدين موضوعا للرواية؟ هذا هو السؤال الذي يمكن أن يطرحه قاريء متسرع لعنوان هذا المقال. وله كامل الحق في أن في الاحتجاج لو أننا قصدنا ذلك فعلا، فالدين يمكن أن يكون موضوعا من موضوعات الرواية بل هو أهم أسئلتها إذا اعتبرنا أنه ثالث أثافي المسكوت عن، مع الجنس والسياسة، التي تشتعل فوقها الحكايات . غير أن موضوع العنوان أمر آخر غير التطرق إلى الدين كثيمة بل المقصود خطر تحلل الخطاب الروائي في الخطاب الديني وتحوله إلى خادم ذليل لهذا الخطاب وهكذا نكون تحولنا من رواية تعالج الظاهرة الدينية إلى رواية دينية تتبنى خطابا دينيا ماورائيا دغمائي.
ولكن ما خطورة أن تتبنى الرواية خطابا دينيا؟ ألم يتبن الفن ذلك الخطاب عبر تاريخه المسيحي أو الخط العربي أو حتى قسما من تاريخ السينما العالمية؟
الولادة الدينية للرواية الحديثة
20170705_154320كان الاسباني ميغال دي سيرفتس أسيرا في الجزائر عندما شرع في كتابة روايته المؤسسة “دون كيخوت” وكان العالم المسيحي والعالم الإسلامي في أوج صراعه ولئن اقحم سيرفتس بعض الإشارات الدينية من خلال شخصية زبيدة فإن تلك الإشارات التبشيرية كانت أضعف ما في الرواية التأسيسية لعصر الحداثة الروائية ولعل ما يجعلنا نغفر لسيرفناتس تلك الزلات الصغيرة هو روعة كتابة الدون كيخوته وحروبه الشريفة في عمل تأسيسي مكلف أولا بتحطيم أدب الفروسية الذي مثل عصر الإنحطاط الأدبي.
لكن أن تظهر رواية تعادي الأديان الأخرى من منطلق ديني أو طائفي فهذا هو الخطر الكبير. لأن هذا الفن عليه أن يبقى خارج منطق التثكين والتوظيف.
الرواية والتجنيد الإرهابي
لأن تسمية الرديء تساهم في انتشاره سنكتفي بالإشارة إليه فقد تحول إلى ظاهرة عربية يتصدرها عدد من الكتبة المتطفلين على الجنس الروائي ويقودهم بعض الدعاة الذين اكتشفوا أن الرواية هي البديل عن خطاباتهم و جلساتهم التبشيرية التنجنيدية وكتبهم الدعائية ولعل ارتكاب الداعية الأشهر عمرو خالد لما يسميه رواية كان دليلا على هذا النفير الذي دفع “بالمتدينين” إلى محاولة توظيف الرواية لتجنيد الشباب وتوجيه رؤيتهم للعالم.
وتتجند مؤسسات دينية في أقنعة ثقافية للدعاية لتلك الأعمال الأخلاقوية وتسند لها علامة أجناسية هي بريئة منها تماما. وهو الذي جعل كتابا ينشر في بلد لم يلق أي نجاح ثم يعاد نشره في بلد آخر ينتشر فيه هذا الفكر الأيديولوجي الديني فتحول إلى الكتاب الأكثر مبيعا ثم يعود تحت علامات مضللة في “الطبعة العشرون” ليغزو المكتبات التي طرد منها قبل سنة واحدة.
والحق أن هناك ماكينة دينية اشتغلت منذ سنوات اخترقت السينما قبل ذلك وأطلقت ما يسمى السينما النظيفة قبل أن تؤسس ما سمي ب”الأدب الإسلامي” ومؤسساته وأوجدت له نقادا وكتاب مهدوا لظهوره بل بحثوا له عن أصول في أدب نجيب الكيلاني وهو أدب بعيد تماما عما أنتج لتظهر “رواية ” أخلاقية دينية تفاضل بين الأديان وتدفع بالشباب إلى اعتناق أفكار جهادية إن كان ذلك تحت أقنعة الدفاع عن الأراضي المحتلة أو الدفاع عن الإسلام.
hqdefaultوالأخطر أن هذه الجهة قد زرعت مكتبات في كل الوطن العربي عرفت بأسعارها الزهيدة لاستقطاب الشباب القاريء وقدمت في البداية لهم الروايات العالمية كطعم لاستقطاب المزيد منهم قبل أن تغزو السوق بتلك الروايات الدينية وتسحب تدريجيا الأدب العالمي من رفوفها.
إن هذه الجهات بدأت في إطلاق ما سمته بالأدب الإسلامي من خارج الوطن العربي في الهند خاصة وجعلت له مراكز ومكتبات وعقدت له المؤتمرات وشيئا فشيئا عادت لتغزوا به المنطقة العربية حسب الحاجة فجندت بعض المتعلمين من أصحاب الميولات الإخوانية من مصر والجزائر تحديدا لكي تضع لهذا الأدب نظرية ثم استقطبت ما عرف بقدماء المساجين الإسلاميين السابقين من المغرب العربي ووصلت لتجنيد كتاب معروفين عرفوا بطابعهم المحافظ في الجامعات العربية.
وشجعت دور النشر تلك الأصوات الشبابية الناقمة على الآخر ومهدت لهم بنشر أعمال الشباب الآخر المولع بقصص الالغاز والرواية البوليسية والاستباقية وأدب الكوارث لمزيد لفت انتباه الشباب إليها وتجنيد نفس الكتاب لكتابة الرواية الدينية. وقد استبعدت هذه الدور الروايات الجريئة أو التي تطرح أفكارا عميقة حول الفرد وحول جسده وعلاقته بالآخر الحميم واكتفت بنشر أعمال ذات رؤية قطيعية تجرم الآخر وتسعى إلى القضاء عليه إما بالتصفية أو بالمحو بالاستسلام فلا تستغرب إن وجدت رواية تنتهي أحداثها ب”توبة” كل يهود العالم ودخولهم الإسلام.
إن الرواية الدينية العربية اليوم تنطلق أولا من فكرة عنصرية مفادها أن العرب هم الأفضل وتتبنى حرفيا مقولة دينية “خيرة أمة أخرجت للناس” وعلى الجميع أن يتبعهم أو تقع تصفيتهم، وهذه فكرة قومية شبيهة بالخطابات القومية الشوفينية التي ظهرت بأوروبا بين الحربين، ومن ثم فهي جماليا خطابات مونولوجبة منغلقة تجرم الآخر وتضرب الفن الروائي في مقتل، تضرب عمقه باعتباره الفن الحواري الذي يستضيف الاختلاف بداية بتعدد أصواته إلى دوره كفن من فنون النثر في إشاعة حالة من حالات التثاقف العالمي داخل منطق اللاحقيقة.
إن هذه الرؤية للذات باعتباره الأفضل في العالم وهو الوحيد الذي يمتلك الحقيقة تتقاطع مع أفكار التطرف الديني والجهادي الذي يتبناه تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة “داعش” من هنا تتحول هذه الكتب التي في ظاهرها روايات، إلى أمر أخطر بكثير من الكتب الجهادية أو الدعوية وحلا وفكا للحصار الذي يحدث لتلك الكتب الصفراء في معارض الكتب العربية.
يحتمي المتطرفون الآن بالخيال والتخييل لتمرير خطابهم اليقيني الراديكالي في استراتيجية جديدة توصلوا لها بأن الفرد تبنى شخصيته عبر ما يتلقاه من قصص خيالية عبر الرواية أو عبر السينما وهي المداخل الجديدة للعقول اللينة. وتشترك هذه الروايات في اشارة سرية وهي إلحاق حرف الدال قبل الاسم تيمنا بالسلف د.نجيب الكيلاني. حتى أننا نتساءل بسبب إصرار وضع الحرف هل هو إشارة لرتبة علمية فعلا أم أشارة للرواية الدينية.
إن عددا كبيرا من هذه الروايات تدفع بالشباب للسفر من أجل الجهاد متعللا بتحرير الأراضي المحتلة وعددا منها يروي قصص التحاق الشباب العربي بجماعات جهادية في لبنان وسوريا وهكذا تكون فكرة الجهاد لتحرير فلسطين تمهيدا للجهاد الأكبر وهو محاربة العالم وتكفيره بالعمل على أسلمته عبر تقديم القصص والروايات كحقائق.
ليس هناك شيء يمكن أن نطلق عليه عبارة أدب اسلامي وآخر يهودي وآخر مسيحي وإن وجدت هذه النصوص فهي أردأ ما كتب في تلك الأراضي وهي أدخل في الكتابات الدينية منها في الأدب وإن تلبست بأشكال أدبية. ولا يمكن لكتابها أن يتحولوا إلى روائيين مهما تراكمت أعمالهم ومهما كثر عدد مستهلكي كتبهم إذ أن تكون روائيا، كما يقول ميلان كونديرا ” هو اتخاذ موقف، حكمة وموقعا اجتماعيا؛ موقعا يستبعد كل تماثل مع السياسة والدين والايديولوجيا الأخلاق والجماعة “.
فالرواية لا دين لها وهي علمانية بطبعها جاءت لتنشر السلام والحوار وتسبر أغوار الذات البشرية وتكشف أعشاش الشر التي تتربى فيها الجريمة ولا يمكن أن تتحول إلى أداة للتبشير والتجنيد للقتال. وتبدو ظاهرة الرواية الدينية والتي يجمع كل النقاد أنها رواية رديئة فنيا، ظاهرة خطيرة بسبب من يقف وراءها وما جند لها من أموال ومعابر ومسالك توزيع واستهدافها بالأساس الفئة الأكثر هشاشة من ناحية والفئة التي تمثل أمل الشعوب العربية وهي فئة الشباب القاريء وهي أشبه بعملية وأد للأمل في النهوض بالأجيال الجديدة وتحويلهم من مشاتل ورد تزرع هنا وهناك إلى ألغام تجهز لتهز أراضيهم وأراضي غيرهم.
إن الفرق بين الرواية الدينية والرواية التي تقدم تجربة دينية هو الفرق بينها وبين سينما دينية طائفية تحريضية وفيلم مثل فيلم “الرسالة” الذي يقدم الرسالة المحمدية والذي أنتجته هوليود نفسها عبر المخرج الكبير مصطفى العقاد شهيد الارهاب الديني. هذا المخرج الذي اغتالته نفس الجهات التي تنتج الآن هذه الروايات وهي نفس الجهة التي تمنع عرض فيلم الرسالة في تلفزيوناتها الرسمية وحاربت إنتاجه وضغطت على ملك المغرب لطرد فريق الفيلم مما اضطرهم للمغادرة إلى ليبيا وإعادة بناء الديكورات لاتمام الفيلم.
لقد هوجمت الرواية الدينية وشبه الدينية حتى في الولايات المتحدة ويكفي أن نتذكر الهجمة الشرسة التي قادها ريجارد كوستلانتز ضد ما يسمى بالأدب الصهيوني والنقد الصهيوني والدعاية له. كما أن هذه الروايات العربية اليوم عادة لا نسمع شئيا عن قيمتها الفنية بل نكتفي بسماع أخبار عن فتوحاتها الدينية وانتصارها للعرق وتقزيمها الأعراق الأخرى والتغني بالانتصارات الوهمية لأبطال الرواية الدينيين على الآخر المنتمي لدين آخر.
إن من يقف وراء هذه الكتابات التي قد تدفع الشباب إلى التحول إلى قتلة ومجاهدين ليس أقل خطرا ممن أفتى بقتل سلمان رشدي لأنه كما اعتقد مخطئا انه يسيء للإسلام وهذا ما أكده فتحي بن سلامة في كتابه “ليلة الفلق” و صادق جلال العظم في كتابه “ما بعد ذهنية التحريم” وميلان كونديرا في كتابه: الوصايا المغدورة” وغيرهم.
لا يمكن أن نسمي هذا الحبر المراق إلا بالكتابات التحريضية التي تنهض ضد القيم الأدبية للكتابة باعتبارها في بعد من أبعادها دعوة للسلام لا للحرب وباحثا عن القيم الأصيلة وإن تناولت عالما لاأخلاقي فتبقى قيمة الرواية فعلا في كونها جنس أدبي ” لا دين له ولا ملة”، أي أنه لا يحرض بانتماء ديني أو انتماء عرقي أوطائفي ولا أيديولوجي أعمى. ليذكرنا بعبارة صاحب كتاب “الوصايا المغدورة” في عالم الرواية النسبي ليس هناك موقع للكراهية: الروائي الذي يكتب لتصفية حسابات شخصية (سواء شخصية أو أيديولوجية) محكوم عليه بالاخفاق الجمالي الكلي والمؤكد”.

Advertisements
هذا المنشور نشر في ناقد ومحرر الورشة, الكتابة مفاهيم, غير مصنف. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s